لم يحجز الشاعر صقر عليشي مكانه في ديوان الشعر السوري فحسب، بل هو اليوم يأخذ مكانه اللائق والأجمل في الصف الأول من ساحة الشعر السورية، بقصيدة يُفارق فيها مشهداً اعتاد الاشتغال من محترف الكلمات ذاتها، فإذا به يُنجزُ قاموسه الشعري بتواضع أعشاب «عين الكروم» وبريّة تلالها.. من أعالي «الغاب» الوادع في محافظة حماة، يبدأ عليشي فلسفته في الحياة وفي الشعر، وهي حياة واحدة لا انفصام فيها؛ تُنجزُ مشروعها الجمالي تصاعدياً في دروب «طريقة عليشية» لها ملامحها التي تُزين بها عمارتها الشعرية، ملامح تخصّه وحده وإن تأثر بها اليوم عشرات الشعراء والشاعرات، ملامح؛ لعلّ أبرزها حكائية مدهشة تذهب صوب أعالي الطفولة وأيام «الولدنة» تنهل من مخزونها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وهي هنا استطاعت كثيراً، لأنها لم تذهب بتلك المناحي لأجل حنينِ ما، ولا مناكفة، إنما أخذت من تلك السهوب البعيدة الحالة الرومانسية لتأتي القصيدة بأحلى مجازاتها بعد أن استعارت من بساتين الطفولة أجمل مشاهد الطبيعة، ولتكون تلك المشاهد خلفية مصورة لقول الشعر.‏‏
وهنا سنلتقي بشاعرٍ أو «سترى هنا قلباً تعرّض للجمال» الذي كان الباعث الأول للقول الشعري. ومن ثمّ مجاز إثر مجاز يبني الشاعر مملكته الشعرية، بهذه الملامح أصدر صقر عليشي إلى اليوم ما يُقارب من عشر مجموعات شعرية، بدأها بـ: قصائد مشرفة على السهل، الأسرار، قليل من الوجد، أعالي الحنين، عناقيد الحكمة، الأعمال الشعرية، الغزال، وأحدثها كان مجموعته «معنىً على التل».‏‏
ومن قصارى القول الشعري لديه نقرأ:‏‏
التكوين‏‏
عاشت الأسرارُ دهراً‏‏
وهي لا تعرف شيئاً‏‏
غير أن تشرب‏‏
ماءً‏‏
وظلام‏‏

تفقد‏‏
مررتُ هنا في النشيد‏‏
على لغتي‏‏
مسحتُ بلطفٍ خدودَ العبارة،‏‏
ربتُّ أعماقها النائيات،‏‏
تأكّدتُ أن جميع دروب الجمال‏‏
تؤدي إلى القمة‏‏
ومن ثم عدتُ إلى غيمتي‏‏

خريف‏‏
أطلّ من قصيدتي هذي‏‏
أرى الخريف كيفما ذهبْ‏‏
نشّرت الأشجار وحدها‏‏
وائتلفتْ..‏‏
ولم تدعْ معنى يفرُّ‏‏
خارج الذهب‏‏

حضور‏‏
حين حضرتِ‏‏
لم أكن على‏‏
درايةٍ كافيةٍ‏‏
بمن حضر‏‏
وافلتت عليّ رقةٌ‏‏
كما انفلات ماعزٍ‏‏
على الشجر‏‏

حيث كل شيءٍ مرتفع‏‏
أنا من هناك..‏‏
حيث كل شيءٍ مرتفع‏‏
الروابي‏‏
والنهود والجباه‏‏

رعيتُ‏‏
الأبقار والماعز والسواقي‏‏
وركضت‏‏
مع الصباحات النشيطة‏‏
مع الشعاب الجبلية‏‏
حيث تمزقت‏‏
جوارب المنعطفات‏‏
في صدري من الحقد‏‏
ما يكفي لإشعال العالم‏‏
بالثلج والموسيقا‏‏
أحلى القصائد داءتني‏‏
وأنا أدرج ساهماً‏‏
فوق التلال‏‏
على صخور‏‏
الجبال القاسية‏‏

المصدر - تشرين