هناك فجوة بين المواطن وقطاع التأمين…فكل ما تعرفه «المدرسة» كارين عن هذا القطاع هو البطاقة التأمينية التي تستخدمها للاستشفاء، التي يحصل عليها العاملون في قطاع التعليم، بينما دلال مدرسة أيضاً تحدثت عن حصولها على العديد من الأدوية التي تأخذها بانتظام كدواء السكري والضغط عن طريق البطاقة التأمينية، إضافة للميزات التي تعطيها هذه البطاقة، أما عن بقية أنواع التأمين فلم نسمع إجابة. وعن أنواع أخرى من التأمين يعرفها البعض كالتأمين الإلزامي للسيارات من مالكيها، في حين النسبة الأكبر من المواطنين لا يعرفون عن هذا القطاع إلا اسمه. مدير عام هيئة الإشراف على التأمين المهندس سامر العش بين أن حجم أعمال قطاع التأمين في سورية من حيث الأقساط يصل حدود 22مليار ليرة، أما ترتيب الشركات من حيث الأرباح فالصدارة للمؤسسة العامة للتأمين لكونها الشركة الأم من حيث حجم الأقساط، أما بخصوص الشركات الخاصة فقد تصدرت الشركة الوطنية أقرانها من حيث حجم الأقساط.

المحامية شذى كرزون تحدثت عن معاناتها مع شركات التأمين، فبعد حادث سيارة تعرضت له، بدأت رحلت الروتين والجهد، ولكونها محامية استطاعت تحصيل مبلغ من التأمين لم يتجاوز 60 ألف ليرة مع العلم أن قيمة الأضرار تجاوزت الـ85 ألف ليرة.
مشتكية من عدد شركات التأمين القليلة، كما تمنت أن تكون مبالغ التأمين منطقية وشاملة، ما يسهم في انتشار هذه الثقافة بشكل أكبر في المجتمع.
وبالتوجه إلى إحدى شركات المقاولات، بيّن مدير مالي في إحداها أن الشركة تتعامل مع التأمين الصحي للموظفين، أما العمال المياومون بسبب روتين المعاملات ويمكن ألا يسجلهم في التأمين الذي هو حق وضامن لهم، من هنا رفض ذكر اسمه.
وعن تعامل مجتمعنا مع التأمين، نوه بأنها ثقافة بعيدة نوعاً ما عنا، وهذا نتيجة كسل الشركات، التي ترى أنها متقدمة، إذ كان 10% من المجتمع مؤمناً لديها، فالتسويق للتأمين غير كاف.
من جهته، أوضح مدير المؤسسة السورية للتأمين إياد زهرا أن في السوق السورية للتأمين ثلاث عشرة شركة تأمين: شركتان للتأمين التكافلي، وشركة حكومية واحدة.
ويتم تقديم العديد من المنتجات التأمينية التي تلبي حاجات المواطن السوري، ضمن الاعتبارات التي يفرضها السوق، أبرزها انخفاض القدرة الشرائية للمواطن وارتفاع سعر الصرف من جهة، وقلة الثقافة التأمينية ومدى شعور المواطن بالمخاطر المحدقة ونقلها إلى جهات تأمينية مختصة لإدارتها، مقابل دفع قسط محدد للخطر من جهة أخرى من دون أن ننسى التنظيم المجتمعي ودور الدولة في تقديم الحماية التي يغلب عليها طابع المجانية في عدة مجالات من تعليم وصحة، من خلال عدة صناديق كصندوق المحافظة و صناديق الحكومة والمشاريع والجمعيات الأهلية، المساعدة للمواطن في الحصول على خدمة مجانية مدعومة من الحكومة من دون الحاجة لدفع مبالغ مالية، ما يقلل من اتجاهه نحو شركات تأمين لتغطية الخطر الخاص به.
وعند سؤاله عن «المجمع التأميني» أوضح زهرا، أن هذا الأمر مُمارس بين مجموعة محددة من الشركات، تقبل فيه المشاركة بالأخطار مقابل حصص جزئية عند توافق هذه الشركات في رؤيتها للأخطار المؤمنة ومناسبة الأسعار التأمينية فيما بينها، وهي حالة مؤقتة تتناسب مع طبيعة العقوبات المفروضة مع ضعف إعادة التأمين.
خطط واعدة
وعن خطة الهيئة للعام القادم أكد المهندس العش، أن العمل في الفترة السابقة هدف إلى «مسح السوق» من خلال قراءة صحيحة للواقع بشكل تفصيلي، لمعرفة مشاكل السوق التأميني ومتطلباته، لتحدد المستقبل  بشكل دقيق، وأن أكبر معضلة تم لمسها كانت مشكلة فنية تمثلت بطريقة التسويق للتأمين، التي اعتُمدت في السوق من خلال الأفراد، بما يسمى وكالات التأمين، بينما في العالم التسويقي يتم هذا من خلال شركات وساطة، واليوم تم السماح لشركات وساطة بالترخيص وبدئ العمل بتأسيس شركات قادرة على بيع التأمين وهي القاعدة الأساس في هذا العمل.
ومن ميزات شركات الوساطة حسب المهندس العش، الانتشار الواسع الذي يصل للقرى، وتقديم الدعم من خلال إعفاء التأمينات الصغيرة من رسم الطابع، وتم تأسيس أول شركة والثانية تُدرس في الهيئة، ولا يمكن تطوير سوق التأمين في سورية إلا من خلال الوعي المجتمعي وهي أهم وظائف شركات الوساطة، حسب تعبيره.
تفتيت الخطر
أهم ما يتم العمل عليه اليوم هو تأسيس (مجمع إعادة تأمين داخلي) لأنه يناسب الظرف الحالي، وذلك بتفتيت الخطر، ولتوفير التحويلات الخارجية لتبقى داخلية، وتم حسب المهندس العش التوقيع بالأحرف الأولى مع إيران في مجال التأمين وإعادة التأمين.
منوهاً بأن قطاع التأمين كان المتضرر الأكبر من العقوبات التي طالت البلد، إذ إن من أهم قواعده اعتماده على إعادة التأمين وتفتيت الخطر، فالأساس في إعادة التأمين هو شركات التأمين الأوروبية وهي اليوم متوقفة، فتم البحث عن معيد تأمين آخر تمثل بالعديد من الدول الصديقة.
التي وجدت غنى السوق السوري وقوته، من خلال ملاءته المالية وتدارك انعكاسات الأزمة والعقوبات برغم تسرب 600 شخص خارج سوق التأمين.
إضافة للخبرة الفنية العالية في إدارة العمل، وتنظيم قطاع التأمين خلال فترة الركود، ما خلق لدينا طرق عمل جديدة ، وبوجود الإمكانية والأدوات والخبرات السورية الخالصة، للعمل على مشروع تأميني وبجودة عالية.
بصمة يد أو عين
وعن مشاريع العام الحالي نوه المهندس العش، بالعمل لإدخال التكنولوجيا للعمل التأميني، إذ تم لمس إساءة استخدام البطاقة التأمينية الصحية، فتم إدخال معرف الكتروني سواء بصمة اليد أو بصمة العين، إضافة للسجل الصحي الالكتروني والأول من نوعه عربياً.
كما نوه المهندس العش بأتمتة عمل الهيئة بتنظيم كامل إداري وفني، إذ لا يمكن الانطلاق للخارج، مع وجود مشاكل داخلية، فالمؤسسة عانت سابقاً فساداً إدارياً تمثل بعدم التزام أو انعدام الولاء لجهة العمل ما يعطي حصيلة عمل منقوص، ولابد من استغلال الطاقات بشكل كامل، لأن عمل الطاقم ينعكس بإنتاجية عالية.
صندوق رعاية لدعم الجرحى
إضافة إلى إنشاء صندوق الرعاية الاجتماعية لدعم الجرحى بواجب اجتماعي، وذلك لمن تجاوزت نسبة العجز 80% وفي كل المحافظات، من خلال تقديم جداول محددة من كل محافظة، حسب تعبيره، بعيداً عن الروتين والمحسوبيات.
تعديلات التأمين الإلزامي
وعن التعديلات على قانون التأمين الإلزامي، وإعادة حصص الشركات الخاصة كما كانت سابقاً أكد المهندس العش أنه لا توجد تعديلات حالياً، ولم تحدد الهيئة حصة التأمين الإلزامي إلا مؤخراً، لأن حجم عمل التأمين الخاص لابد من أن يكون أكبر من الحالي.
وأوضح العش أن هنالك خمولاً تسويقياً، لابد من العمل عليه بشكل أكبر حتى يظهر للعلن, وأن ممارسة دور الشركات الخاصة البالغة 12 شركة هو دور فاعل في المجتمع، فتوسيع التأمين الاختياري يحتاج نشاطاً أكبر وقانوناً عصرياً.
حيث تم الانتهاء من تطوير قانون التأمين ودمج المرسومين المؤسسين لقانوني التأمين لعامي 2004و 2005، بقانون عصري يساعد شركات التأمين على إيجاد منجزات جديدة.
وأكد مدير عام هيئة الإشراف على التأمين ضرورة شعور المواطن بالثقة والمصداقية من قبل شركة التأمين، فالتجربة والممارسة هما اللتان تحددان تعامل المؤمن مع الشركة، وتلزم الهيئة الشركات بالمصداقية، فحقوق المواطن وحاملي الوثائق من مسؤولية الهيئة، والممارسات السلبية تنعكس على أدائهم.
حُلت ودياً
وعن المشاكل التي تعرض لها المؤمن كعدم التعويض, بين المهندس العش أنها حالات فردية قليلة، ولكن وضعت المعايير، ويتم تلزيم الشركات بها، للحد من المشاكل.
شركة تأمين صحي
وعن التأكيد على ضرورة حل مشاكل التأمين الصحي أوضح المهندس العش أنه تم تقديم رؤية المؤسسة للحل، وتشكلت لجان فعلية لإحداث شركة تأمين صحي، وتحديد التمويل والشكل القانوني للعمل، إضافة لهيكلية الشركة وضوابط عملها، واستخدام الطريقة الالكترونية لعملها، لملامسة أحدث أنظمة التأمين الصحي على مستوى المنطقة، برأس مال بين 3و4 مليارات ليرة.
والمستفيدون من هذه الشركة، هم الموظفون المتقاعدون وأرباب الأسر. وهناك زيادة في حجم النمو بالشريحة المجتمعة غير الملزمة بالتأمين، فنسبة نمو القطاعين العام والخاص معاً من 7إلى 8%، ولكن وبالنسبة للقطاع الخاص فالنسبة 30%، وهذه النسبة مقارنة بالوضع الاقتصادي والمعيشي الحالي تُعد جيدة.
لم يمارس عمله
وعن معهد التأمين أكد المهندس العش أنه لم يمارس عمله ولا الأهداف التي وجد من أجلها. وفي القانون الجديد هناك مركز لتدريب التأمين التخصصي، بثلاثة مشاريع، منصة تدريب الكتروني ومركز التدريب ومؤخراً تم الاتفاق للانطلاق ببرنامج تدريبي قريباً.
وبين المهندس العش أن هناك شركات راغبة بدخول السوق، فهناك شركات صديقة تفكر في التأسيس ، نتيجة حجم مشاريع الإعمار الكبيرة، حيث تم التباحث معها بشأن ذلك.
وبما يخص التراخيص أكد أنه تم تعديل القانون ليطول رأس المال بزيادة مقبولة، وهي ليست كبيرة، ولا تعادل سعر الصرف في عام 2005.
تسويق
كما أكد د.ماهر سنجر الخبير في عمليات شركات التأمين الصعوبات التي تتعرض لها شركات التأمين في تسويق المنتجات التأمينية، مرجعاً ذلك لعدة عوامل, منها الظروف العامة التي تمر فيها البلاد بما في ذلك الصعوبات الاقتصادية وحالة التضخم الحاصلة.
إضافة إلى افتقار السوق السوري بشكل عام وقطاع التأمين بشكل خاص لمسوقي الخدمات، بما فيها المنتجات التأمينية التي تعد من أصعب المنتجات تسويقا, حيث يصب اهتمام معظم العاملين في مهنة التسويق على تسويق المنتجات الملموسة كالغذائيات وغيرها، كما أن للخدمات التأمينية أبعادها التي لا يمكن لأي شخص أن يظهر جوهرها الحقيقي.
وأكد د.سنجر أن هجرة الكفاءات لسوق التأمين لن تساعد شركات التأمين على تعويض حالة عدم الاستقرار في عملية التسويق، إضافة لتوجه شركات ومعاهد التدريب إلى تنفيذ وإعداد البرامج التدريبية على تسويق وبيع المنتجات المادية الملموسة أكثر من المنتجات غير الملموسة وهذا لا يساهم في رفع مستوى الكوادر التأمينية التي رفضت الهجرة.
منافسة مختلفة
وذكر د.سنجر أن الانزياح الديموغرافي الحاصل نتيجة الحرب أثر في حجم السوق التأميني، وبالعائد منه وبحصص شركات التأمين، وبطبيعة ونوعية المنافسة بين هذه الشركات، حيث كان التركيز سابقاً على قرب الوجود الجغرافي من المؤمن لهم أو من العملاء المتوقعين ومن الاعتماد في المنافسة على جودة الخدمة وعلى خدمة ما بعد البيع، أما اليوم فالتوجه بالمنافسة يستند إلى التركيز على السعر وإهمال بقية العوامل, لكن يبقى العنصر الفصل في معظم الأحيان هو السعر.
كما أن خروج بعض المنشآت أو توقفها الدائم أو المؤقت عن العمل ومغادرة رؤوس الأموال لدول أخرى أثرت سلباً في الحصة السوقية للشركات وتوزعها، وانتقلنا من حصص وعوائد غير متركزة جغرافياً إلى تركز جغرافي في العائد وفي السوق المستهدف تسويقياً، فمحافظة دمشق وريفها يعدان مسرحاً رئيساً للمنافسة بين الشركات وخاصة مع خروج معظم فروع شركات التأمين عن الخدمة في بقية المحافظات السورية.
مشيراً إلى أن التشابكات المالية والتشغيلية بين القطاعات تجعل من كل قطاع حاملاً لبقية القطاعات الأخرى وكلما ارتفع مستوى هذا التشابك تأثرت القطاعات سلباً أو إيجاباً بحسب حالة ونوعية التشابكات القائمة بين هذه القطاعات, فمثلاً كان لانخفاض حجم القروض الممنوحة من قبل المصارف أثر سلبي في أعمال قطاع التأمين وعدد البوالص المصدرة، كما أن تخفيض وتحديد عدد إجازات الاستيراد نالا أيضاً بدورهما من بعض أعمال التأمين.
ويلحظ اليوم حسب د.سنجر، وجود حالة من تركز الأعمال ناتجة عن تركيبة مجلس إدارة بعض شركات التأمين, فرجال الأعمال الممثلون ببعض مجالس الإدارة يمنحون الأولوية في التأمين لأعمالهم للشركات التي يملكون الحصص الأكبر فيها, وهذا يمنح بعض الشركات ميزة تنافسية تضاف لها, ولا يمكن لنا عزل شركات التأمين بأي شكل من الأشكال عن محيطها, فلشركات التأمين نصيبها من مخاطر السوق، فسعر الصرف الذي ساد في تاريخ إصدار البوليصة أقل من سعر الصرف في وقت حصول المطالبة (في معظم الأحيان) فأضحت شركات التأمين تتشارك ظاهرياً مع المؤمن بأنواع محددة من المخاطر, مثل: مخاطر وقوع الحريق أو السرقة, أما فعلياً فهي تتقاسم معه الأخطار الظاهرة والأخطار الكامنة والمتمثلة بمخاطر تقلبات سعر الفائدة وسعر الصرف، وشبه غياب لقنوات الاستثمار وضعف في مصادر التمويل، وانكفاء شركات الإعادة عن السوق السورية نتيجة الإجراءات الأحادية الظالمة، وانخفاض القدرة الشرائية لكل من المؤمن له ولشركة التأمين, فمبدأ تشاركية الخطر بين المؤمن له وشركة التأمين أضحى مشوهاً ولا يتمشى مع سياسة التسعير المتبعة، فتسعير عقود التأمين يستند إلى حجم الأخطار التي يتعرض لها موضوع التأمين، وهنا طرح سؤال عن الأخطار الكامنة التي لا يتحمل المؤمن له أياً منها، بل تقع مسؤولية إدارتها على شركة التأمين فقط؟ ما انعكس على المنافسة بين شركات التأمين فأصيبت بالتشوه أيضاً لاستنادها فقط إلى السعر.
                     
من ناحية أخرى أشار د.سنجر إلى أن النمو الحاصل في حجم الأقساط برغم معاناة شركات التأمين لا يستند في معظمه إلى نجاحها في عملية التسويق، بل هو مرتكز إلى ارتفاع قيمة القسط أكثر من كونه زيادة في عدد عقود التأمين المصدرة، فأولويات وضرورات المواطن السوري اختلفت، والتأمين الصحي ينهض بحجم الأقساط، الأمر الذي أدى لتراجع بعض أنواع التأمين الأخرى.
ثقافة تأمينية غير مكتملة
لا يعد التأمين من العوامل الرئيسة الداخلة في مكونات الثقافة الموروثة لدى السوريين فيمكن للمتابع أن يلحظ الفرق في مستوى الثقافة التأمينية لدى المواطن السوري ما قبل العام /2007/ (تاريخ تأسيس شركات التأمين الخاصة) وما بعد هذا التاريخ، فكان هناك غياب في شركات التأمين قبل هذا التاريخ عن السوق السورية باستثناء المؤسسة السورية للتأمين.
أما اليوم فنضجت ثقافة المواطن السوري عن التأمين أكثر, لكن بقيت هذه الثقافة منقوصة وغير مكتملة, فأضحى لدى جامعاتنا اختصاص مستقل يسمى المصارف والتأمين يدرس في كلية الاقتصاد، ودخلت علوم التأمين المعاهد وتوسع قطاع التأمين الصحي ليشمل عدداً أكبر من العاملين في القطاع العام.

المصدر - تشرين