قتل... وخطف.. تسريح بعذر أو بدونه... بطالة، خسارة الدخل والحوافز ومكان العمل، تشتت وتوزع على أماكن جديدة بعدما كانوا مجموعات تقاسمت العمل والهموم جمعتهم آلات وصالات غرف ومكاتب عشرات السنوات... الآن تشرد المئات ممن بقي منهم في عمله، ينتابهم القلق الدائم على شركات ومؤسسات سوي كثير منها بالأرض، واستخدم بعضها كمقر للمعارك في المناطق الساخنة والنتيجة الرقمية: ثلاثة آلاف شهيد من عمال القطاع العام، مليون عاطل عن العمل.

الحرب في سورية وضعت الحكومات أمام خيارات أفضلها سيئ بشأن عشرات آلاف العمال الذين أصبحوا بلا عمل بعد تدمير منشآتهم التي استهدفت من قبل وحوش لم تسلم منها حتى الحيوانات.

لا يمكن ترك آلاف العائلات بلا دخل، وكذلك استمرار دفع أجور عمال في منشآت اقتصادية متوقفة أمر مرهق لأقوى الاقتصاديات، فكيف الحال ببلد يحارب منذ ثلاث سنوات ونصف السنة؟

هناك آلاف تم تسريحهم في القطاعين، وهناك نحو مليون عامل يتقاضون أجورهم من دون عمل.

وهناك عمال كما جنود جيش سورية توجهوا إلى أعمالهم تحت القصف، وفي أرض المعارك، وما استشهاد عشرات المسعفين إلا خير دليل على دورهم، وكذلك عمال الكهرباء، والحراس وغيرهم الكثير، من عمال ظلوا يصلون منشآتهم وهم يحاولون تجنب الإصابة بالطلقات التي تستهدفهم وتستهدف مواصلاتهم.

هناك مؤسسات مهددة باستهلاك كل قرش في خزائنها إذا استمر الحال على ما هو عليه طويلاً، وهناك آلاف الأسر التي تنتظر غيثاً بالحصول على ما يسد الرمق بعد توقف أجر رب الأسرة.

وزارة الصناعة تتقدم بمقترحات تحاول معالجة الوضع القائم بين واقع عمالة يجب ألا يتوقف مصدر عيشها وشركات توقفت عن العمل، ومدير التأمينات يطمئن المؤمن عليهم بأنهم تجاوزوا الصدمة ووصلوا مرحلة التوازن، وأن المتقاعدين يحصلون على أجورهم حتى في محافظة الرقة.

المشكلة الأبرز

خلال سنوات الحرب هذه كانت المشكلة الأبرز التي واجهت العمال في القطاعين هي الصرف من الخدمة، وإذا كان مصير العامل في القطاع العام لا يقارن بما أصاب العاملين في الخاص، لكن هذا لا ينفي فقدان آلاف العمال في القطاع العام مصدر عيشهم، ففي محافظة كالحسكة مثلاً تم إنهاء عقود 1650 عاملاً، وبجهود مضنية من اتحاد نقابات العمال كما قال بعضهم تم تأجيل فصل 140 عاملاً موسمياً يعملون في وزارة النفط بمجال الغاز لنهاية العام الجاري، رغم كل طلبات تحويل عقودهم إلى سنوية، لكن كان هذا الحل يؤجل بذرائع غير مقنعة كما يرد في مذكرة لاتحاد نقابات العمال.

أمين شؤون العمال في الاتحاد العام لنقابات العمال أحمد الحسن يتحدث عن عمال تم صرفهم قبل الأزمة، وعن عمال صرفوا خلال الحرب، ويرى أن هذه الفئة تضمنت أعداداً لا بأس بها من العمال الأبرياء الذين فصلوا بتقارير كيدية كما يقول، ويطالب بإنصاف المظلومين الأبرياء ولاسيما أن الاتحاد قدم عشرات النماذج لعمال أبرياء صرفوا من الخدمة، منهم من كان مستشهداً! أو حصل على موافقة نقل نظامية، وهنا نود التنويه بأن رئيس الحكومة أكد خلال حضوره المجلس السنوي للاتحاد العام لنقابات العمال أن عدد المفصولين 7 آلاف عامل، ويرى أن هذا العدد من إجمالي العاملين البالغ نحو 2.5 مليون عامل في القطاع العام، وأن قرارات الفصل تمت بناء على المادة 137وعلى رأي أكثر من جهة.

متابعون في اتحاد العمال يتحدثون عن أساليب مبتكرة وجديدة لجأت إليها الحكومات للتخلص من العمالة بحجة الأزمة، وهنا دفع عشرات العمال ثمن أخطاء ارتكبتها إدارات متلاحقة كاستخدام عمال موسميين في أعمال دائمة، لمدة تصل بين 7 ـ 8 سنوات، وبعد فشل كل محاولات تثبيتهم، عمد الكثير من الإدارات إلى فك عقودهم، وكذلك إنهاء عقود سنوية لعمال قضوا على رأس عملهم مدة قد تصل إلى عشر سنوات، بحجة أن منشآتهم متوقفة عن العمل حالياً، وهذه نظرة قاصرة للأمور كما يصفها نقابيون لأنها تسعى للتخلص من رواتبهم على حساب الجانب الاجتماعي، من دون الاهتمام بمدى انعكاس هذا الإجراء على الصعيد الأمني والسياسي.

يتساءل بعض هؤلاء العمال المنتظرين لمصيرهم فيما إذا كان أولادهم سيبقون من دون طعام وكساء ريثما تعود منشآتهم للعمل، لأن الجواب الذي يتلقاه من يتابع قضاياهم من الجهات المعنية بأنه ستتم إعادتهم في حال عادت المنشأة إلى العمل.

يصل الاتحاد العام للعمال إلى خلاصة تؤكد أن طريقة معالجة قضايا مثل الصرف من الخدمة، وإنهاء عقود العمال، لا تأخذ بالاعتبار الجانب الاجتماعي ويغيب عن الأذهان أن هناك قيمة اقتصادية للجانب الاجتماعي، وعند إهمالها تكون السياسة الاقتصادية مشوهة، وأن البعض في الحكومة يتهرب من تحمل مسؤولياته متذرعاً بأن القوانين لا تسمح، وأن وضع هؤلاء العمال مخالف، متناسين أن المخالفة مرتكبة من قبل الإدارات، وخطأ الإدارات يغتفر، بينما يدفع الثمن العمال لأنهم الحلقة الأضعف.

وقف الراتب التأميني الذي يرد في المادة الثانية من قرارات الصرف أيضاً مخالفة للقانون رقم 20 لعام 2013 كما تؤكد دراسة اتحاد العمال، الذي منع وقف الراتب التأميني إلا بقرار قضائي، وهذا ما أكده مدير عام مؤسسة التأمينات د. خلف العبد الله.

الخاص تضرر كثيراً

أمين شؤون العمال أحمد الحسن يؤكد أنه بعد ثلاث سنوات ونصف السنة على الأزمة والتخريب المقصود كجزء من الحرب على سورية كانت هناك انعكاسات على الواقع الاقتصادي عموماً والعمال خصوصاً، ففي القطاع العام نتيجة توقف المنشآت الصناعية والخدمية، إما تخريباً وإما سرقة وإما نتيجة وجودها في أماكن ساخنة فإن قسماً كبيراً من العمال أصبح بلا عمل، إلا أن الدولة ما زالت ملتزمة بتقديم الرواتب والأجور لهم وقامت بعض الوزارات بفرز أماكن عمل لبعضهم، والأغلبية العظمى ليس لها عمل.

هذا الواقع فرض على العمال أن يكونوا بلا عمل مع الإشارة إلى أن قسماً كبيراً منهم تم استهدافهم من قبل المجموعات المسلحة، واستشهد منهم ما يقارب 3 آلاف عامل، إضافة لأن بعضهم تعرض لإصابات جسدية، أعاقته عن العمل.

وأشار الحسن إلى أن العاملين في القطاع الخاص كانوا أكثر تضرراً، ففي الصناعة تم سرقة المنشآت وتخريبها ولاسيما في دمشق وحلب وأصبح العمال بلا عمل، ولا أجر، مع استمرار قسم من أصحاب العمل ونسبتهم قليلة.. هذا الأمر رفع نسبة البطالة وولّد مشكلات اجتماعية بسبب غياب الدخل، مع الإشارة إلى أن عدد العاملين في الخاص يتجاوز مليوني عامل.

وفي مذكرة للاتحاد العام لنقابات العمال بشأن واقع القطاع الخاص قدر فيها عدد الشركات التي تضررت بنحو 251 شركة، 85 شركة منها تعمل في مجال الصناعات الكيماوية، 76 شركة في مجال الصناعات النسيجية، إضافة إلى شركات أخرى تعمل في مجال الأدوية والغذائيات والهندسية. بقيمة تصل إلى 33 مليار ليرة، وهذا لا يشمل المنشآت الحرفية والورشات الصغيرة، إضافة للقطاع غير المنظم الذي تقدر مساهمته بنحو 40% في الاقتصاد.

ومن الطبيعي أن يصبح عمال هذه المنشآت المتضررة بلا عمل، الأمر الذي يدفع اتحاد العمال إلى التأكيد على ضرورة تقديم المساعدات اللازمة لهذه المنشآت لكي يتمكن العمال من العودة إلى عملهم.

المصائب الأكبر على الصناعة وعمالها

الصناعة بشركاتها المتعثرة والمتوقفة مثال لواقع العمال في هذه المنشآت، ففي وزارة الصناعة نحو 100 شركة صناعية ومعمل فيها 58 ألف عامل، تصل أجورهم الفعلية إلى 19.8 مليار ليرة. من بين هذا العدد هناك 51 شركة و12 محلجاً توقفت عن العمل، يبلغ عدد عمال هذه الشركات المتوقفة 25.5ألف عامل، وكتلة أجورهم 8.8 مليارات ليرة، أما عدد العمال الذين تسدد لهم مؤسساتهم من مواردها الذاتية فهم 19964 عاملاً، تبلغ أجورهم نحو 6.8 مليارات ليرة، أما عدد العمال الذين تسدد لهم وزارة المالية 5584 عاملاً أجورهم مليارا ليرة.

يلاحظ أن عدد العمال المتعطلين في وزارة الصناعة يقارب 50% من عدد العاملين ما أدى إلى مشكلة في تأمين الرواتب والأجور، فوزارة الصناعة عليها أن تدفع شهرياً كتلة أجور ورواتب عمالة متوقفة تبلغ نحو 8.858 مليارات ليرة كما تؤكد دراسات وزارة الصناعة.

وهناك شركات متوقفة تسدد رواتب عمالها من الموارد الذاتية للمؤسسات التابعة لها، الأمر الذي سيتسبب بفقدان جزء مهم من السيولة المتوافرة لديها، ويجعلها عاجزة عن متابعة تسديد رواتب عمال الشركات المتوقفة والمتعثرة. علماً أن المخطط للعمالة عام 2014 كان 68.2ألف عامل، بينما العدد الفعلي وفق تقرير الوزارة للعام الجاري انخفض إلى 58 ألف عامل، وفي الشهر السادس من العام 2014 انخفض العدد إلى 52 ألف عامل.

في وزارة الصناعة هناك أكثر من 10.2 آلاف عامل يعانون مشاكل مباشرة من حيث إنهاء عقود أو نقل أو... وقد بلغ عدد من تم إنهاء عقودهم السنوية والموسمية نحو 3590 عاملاً، وهناك نحو 1603 بحكم المستقيلين، و 103 عمال مصروفين من الخدمة، و1044 أجورهم متوقفة.

نبع النسيجية سينضب

تعد المؤسسة النسيجية بشركاتها إحدى أهم مكونات الصناعة، وكانت من أكثر الجهات المتضررة، فشركاتها تتوزع على مختلف مناطق القطر، تصل كتلة الرواتب والأجور السنوية لهذه المؤسسة إلى 9 مليارات ليرة وفقا ًللموازنة التقديرية للعام الجاري.

يؤكد مدير عام المؤسسة النسيجية د. نضال عبد الفتاح أن هناك نحو 5406 عمال متوقفين عن العمل بشكل كامل، وأن المؤسسة تدفع لهم نحو 2290 مليون ليرة سنوياً، الأمر الذي يتسبب باستنزاف السيولة المالية للمؤسسة، وبالتالي عدم قدرتها على دفع تلك الرواتب في الأشهر القادمة.

وأشار د. عبد الفتاح إلى أن هناك أكثر من 11 شركة توقفت عن العمل نهائياً على مساحات سورية المختلفة بسبب اعتداءات مباشرة على الشركات أو محطات الكهرباء التي تغذي المناطق الواقعة فيها هذه الشركات، ففي حلب توقفت أغلبية شركاتها، كالغزل والنسيج والشهباء والأهلية للغزل والنسيج، ومعمل السجاد والصناعية للملبوسات.

هذا الواقع خفّض عدد العمالة في هذا القطاع من 27.5 ألف عامل لعام 2010إلى 20 ألف عامل لغاية منتصف العام الجاري.

وأكد أن تأمين مادة الأقطان المحلوجة من أهم الصعوبات التي تواجه عمل شركات الغزل، إضافة لاستمرار انقطاع التيار الكهربائي، واضطراب الأوضاع الأمنية التي تؤثر سلباً في العملية الإنتاجية.

خطة حلول مقترحة

وفي محاولة تقييم الواقع والاطلاع عليه تقدمت وزارة الصناعة لرئاسة مجلس الوزراء بمذكرة تفصيلية عن واقع شركاتها بالأرقام، وتقدمت بمقترحات لعلها تعالج وضع العمالة في المعامل المتعثرة:

نقل عمال الفئة الأولى للشركات المتضررة بنسبة تزيد على 80% إلى الشركات المكلفة بإعادة الإعمار، ويقدر عدد هؤلاء بنحو 7056 عاملاً، أو إحالتهم إلى التقاعد المبكر، لأن تكلفة أجور عامين تغطي الأعباء الناجمة عن إحالتهم إلى التقاعد المبكر كما تؤكد وزارة الصناعة.

أما الشركات المتضررة جزئياً فتقترح الصناعة ثلاثة حلول: إما ندب عمال الشركات المصنفين من الفئة الثانية ويعملون بشركات يمكن إصلاحها خلال عامين إلى الشركات المكلفة بإعادة الإعمار، على أن يعادوا إلى شركاتهم حالما تسمح الظروف، ويقدر عددهم بنحو 9227 عاملاً.

أو استمرار وزارة المالية بتسديد أجورهم حتى تعاد تلك الشركات إلى العمل وتصبح قادرة على تسديد أجور عمالها، أو إقامة شراكات في الشركات المتوقفة وفق صيغ قانونية تحفظ حقوق الدولة وتصون حقوق العمال، ويرون أن هذا مقترح يحتاج إلى وقت يحدد من خلاله نوع النشاط الصناعي وكفاءة الشريك وقدرته المالية.

وترى الصناعة أنه ريثما يتم اتخاذ القرار اللازم لحل مشكلة الرواتب والأجور لعمال الشركات المتوقفة والمتعثرة، تسدد هذه الرواتب من الفوائض الاقتصادية المتحققة في المؤسسة العامة للتبغ، والإسمنت، وحلج وتسويق الأقطان.

الراتب التقاعدي في أمان

مدير مؤسسة التأمينات الاجتماعية خلف العبد الله يؤكد أن المؤسسة تجاوزت الوضع المفاجئ الذي تعرضت له خلال عامي 2012 ـ 2013 وأنهم دخلوا مرحلة التوازن خلال العام الجاري، وأكد أنه رغم خروج نحو 130 ألف عامل من التأمينات إلا أن وضع المؤسسة المالي غير مهتز، ولم يتوقف أي راتب تقاعدي منذ بداية الأزمة حتى في محافظة الرقة، وأنهم حاولوا أن يكونوا مرنين، وأوجدوا بدائل للثبوتيات الضائعة من خلال استخدام السجلات المؤقتة، وإعطاء سلف معاشات ريثما يتم تأمين المعاشات.

وأن المؤسسة اعتمدت على صرف تعويضات من الأموال التي حصّلتها باستثماراتها، وأن 5 مليارات ليرة من عوائد تشغيل الأموال بالبنوك غطت النفقات المفاجئة، ويؤكد أن عدد الداخلين تحت المظلة التأمينية يساوي عدد من يخرجون منها، وبالتالي النفقات تزداد لكن الإيرادات تزداد أيضاً. وإذا كان د. خلف تحدث عن مشاريع متنوعة يتم توقيعها للمؤسسة فإن الرسالة في الختام التي يود إيصالها بأن حقوق المؤمنين محفوظة، ولا تسقط بالتقادم.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث