لا يجد البعض مغزىً من الرؤى الحكومية المستقبلية المعلنة اليوم، سوى أنها «محاولة للهروب إلى الأمام» في مواجهة حجم الكارثة التي تسببت بها الحرب، وما هو مطلوب حالياً لتجاوز تأثيراتها على يوميات المواطن السوري.

ويعبر هؤلاء عن رأيهم أو موقفهم السابق بالقول: قبل أن نفكر بما يمكن أن تكون عليه سورية في عام 2030، علينا أن نفكر أولاً كيف يمكن تخطي المرحلة الحالية بأقل الخسائر.. وبأقل معاناة ممكنة للمواطنين!.

ببساطة أكثر.. هناك من يسأل: هل من المنطقي أن تتحدث الحكومة عن رؤية تنموية عُشرية، في وقت يعاني فيه المواطن للحصول على أبسط احتياجاته الضرورية؟

هو تساؤل مشروع يحقُّ لأي مواطن طرحه…

فالظرف المعيشي والاقتصادي يضغط على الجميع حالياً، والتجربة السابقة المتمثلة في الخطة الخمسية العاشرة، التي وضعت ونفذت في مرحلة «الاسترخاء» الاقتصادي، أفقدت المواطن ثقته بالخطط الحكومية الكبرى.. فكيف الحال مع خسارة البلاد لنحو أربعة عقود من التنمية؟.

أثناء الحروب والأزمات ليس هناك وقت للتفكير «الحالم» في صناعة المستقبل، فالأولوية تبقى لكسب المعركة بأوجهها المتعددة، والنجاح في تحقيق ذلك هو بحد ذاته جزء من رسم خريطة المستقبل بشكل أو بآخر.. لأن نتيجة المعركة هي التي تحدد وجهتنا في المستقبل.

وإذا كان من حق الجميع التفكير بهواجسه المعيشية والخدمية والاجتماعية المرحلية، وتلمس نتائج ما يُوعدون به من مشروعات وإجراءات اقتصادية وخدمية، فرضت تنفيذها تحديات الحرب وسنواتها «العجاف».

فإنه عندما تكون الحرب طويلة، ويكون الاستهداف فيها بأكثر من سلاح، يصبح لزاماً على الحكومات أن تتعاطى مع تداعيات الحرب وفق استراتيجيات وخطط طويلة الأمد، تأخذ بعين الاعتبار وضع سيناريوهات متباينة، مبنية على توقعات صاحب القرار لتطورات الحرب ومتغيراتها.

بمعنى أنه ليس «ترفاً» توجه الحكومة لرسم سياسات واستراتيجيات مستقبلية، طالما أنها أولاً تنطلق في عملها من مقاربة موضوعية وواقعية لوضع البلاد بعد ثماني سنوات حرب قاسية، وأنها ثانياً تهدف إلى إعادة بناء واقع تنموي أفضل يُمكنها من تجاوز «نكبات» الحرب.

ولسورية تجربة مهمة في هذا المجال، ففي فترة الثمانينيات وحصارها الاقتصادي الشهير شرعت البلاد بتنفيذ استراتيجية وطنية رائدة، صانت معها لأكثر من عقدين أمنها الغذائي.

لكن ثمة فرق بين سياسات تتعامل مع «فن الممكن» وتحاول ترجمة طموحات المواطنين وفقاً للإمكانيات والتوقعات المستقبلية، وبين سياسات لا تخلو من تنظير وأهداف عمومية، تشعر المرء أحياناً إما أنها وضعت على عجل، وإما أنها لمجتمع غير مجتمعنا.

ثم إنه من الضروري اختيار الوقت المناسب للإعلان عن تلك السياسات والاستراتيجيات..

فلا تعلن في وقت قد يجلب لها استياءً أو رفضاً من الرأي العام، ولاتتحول بالمقابل إلى ملف دائم الحضور في حديث بعض المسؤولين الحكوميين، وبما يطغى على اهتماماتهم بالقضايا الراهنة للمواطنين.

حسناً فعلت الحكومة بتوجهها مؤخراً إلى توسيع دائرة النقاش والحوار حول مشروع «سورية ما بعد الحرب»، والمأمول أن تتحول هذه الخطوة إلى نهج ثابت في كل ما يتعلق بالمشروعات والرؤى الاستراتيجية، التي يتوقف عليها مستقبل البلاد.

بقلم ـ زياد غصن

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع