تتفق معظم الدراسات الحديثة على وجود علاقة وثيقة، بين شيوع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وبين زيادة نسبة النرجسية لدى الأفراد.


وتظهر تلك النرجسية بوضوح من خلال ما بات يعرف بظاهرة صور «السيلفي»، التي تعبر عن اهتمام استثنائي للفرد بنفسه، وبمظهره الجسدي، والذي يصل لدى البعض إلى مرحلة «تضخم حب الذات».
في بلدنا هناك تجربة أخرى في «نرجسية» مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، إذ إن السنوات الأخيرة أفرزت فئة من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي على درجة عالية من النرجسية، التي تكاد تصل إلى مرحلة المرض، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالشأن العام.
أفراد هذه الفئة يعتقدون أنهم وحدهم الذين يملكون قدرة «الحل والربط» في كل الملفات والقضايا، لذلك تراهم يسفّهون دوماً آراء الآخرين وأفكارهم، ويتباهون بما ينشرونه من نصوص وتعليقات، ولا يترددون حتى في طلب الإعجاب بما يفعلونه.
طبعاً ثمة فرق.. بين حق الفرد في إبداء رأيه بكل حرية، ونشر ما يؤمن به من أفكار، ومشاركة الآخرين بمعارفه وحياته.. وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، وبين توهم البعض امتلاكهم المعرفة المطلقة في كل القضايا والمسائل الحياتية، ومقابلتهم آراء الآخرين باستهزاء وغطرسة.
وقد لمس المواطن جانباً من تلك النرجسية التي نتحدث عنها، عندما كان البعض يدلي بدلوه في سير المعارك العسكرية خلال السنوات الماضية مثلاً، أو في تعليقه على التطورات السياسية المتعلقة بمجريات الحرب، أو في طريقة تناوله أيضاً للشأن المحلي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
وللأسف هناك بعض المسؤولين ليسوا أقل نرجسية من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، سواء في طريقة مخاطبتهم للرأي العام، أو في أسلوب تعاطيهم مع القضايا العامة، أو حتى في تصرفاتهم خلال الاجتماعات العامة والخاصة.
لا بل هناك أيضاً نرجسية «مؤسساتية» -إذا صحت التسمية- فهناك مؤسسات حكومية تعتبر نفسها قيّمة على باقي المؤسسات، وأنها صاحبة الخبرة والتجربة التي لم يسبقها لها غيرها، وأنها المنزهة عن كل شبهة أو مخالفة أو فساد!.
هذا الوسط النرجسي بات اليوم يشكل خطراً كبيراً على المجتمع السوري، الذي هو أحوج ما يكون إلى تغليب لغة الحوار والمنطق، التفاهم والتناغم، الثقة والمسؤولية المشتركة.. لا إلى مزيد من الخلاف والقطيعة المجتمعية والفكرية، والتشبث بمواقف ووجهات نظر مسبقة.
لذلك ليس هناك من خيار سوى إسقاط النرجسية بمختلف أشكالها وصورها، وإزاحتها من حياتنا، لتحل مكانها الواقعية والموضوعية.
فبعد ثماني سنوات من حرب قاسية، علينا كسوريين أن نعترف بأخطائنا وعثراتنا قبل الحرب وخلالها، وأن ندرك إمكانياتنا وقدراتنا جيداً، والأهم ألا نفقد ثقتنا ببعضنا كأفراد ومؤسسات.. وإلا فإن مستقبلنا سيكون على شاكلة صورة «سيلفي»!.

بقلم ـ زياد غصن: