الخسارة الديموغرافية بسبب الحرب ليست «قاتلة» كما يعتقد معظمنا، إلا أنها تبقى «خطرة» إن لم يتم التعامل معها بحكمة.
هذه الحكمة تقتضي مقاربة الواقع الديموغرافي الحالي بطريقة مختلفة عن السابق.


أولى خطوات المقاربة «الناجحة»، تتمثل في الحرص على إنتاج مؤشرات ديموغرافية «صادقة» وموضوعية، وإلا فإن كل البرامج والاستراتيجيات الحكومية اللاحقة ستكون «خاطئة».. ونتائجها «قاصرة».
وأعتقد أن مرحلة ما بعد الحرب لا تحتمل أي خطأ أو تقدير غير صحيح.
بمعنى.. عندما يتم الإعلان عن معدل غير دقيق للنمو السكاني لسبب من الأسباب، فإن كل ما يبنى عليه من سياسات واستراتيجيات تنموية واقتصادية، وما أكثرها، ستكون أيضاً غير دقيقة، وتتضمن نقاط ضعف عديدة.
الخطوة الثانية للمقاربة الناجحة، تكمن في طريقة التعاطي مع المؤشرات الديموغرافية الحالية، فمعالجة ما أفرزته الحرب «ديموغرافياً» لا تكون آنية أو تقليدية.
فمثلاً.. الحديث عن خسارة البلاد لكفاءات وخبرات كثيرة بفعل الهجرة واللجوء لا يعالج بالتوجه نحو زيادة المخرجات الجامعية الكمية، وإنما بالتشدد لجهة الاهتمام بالمخرجات النوعية من جهة، وبمحاولة إعادة استقطاب المهاجر من جهة ثانية.
كذلك الأمر بالنسبة لزيادة حضور الإناث في مواقع العمل، فالحل لا يكون بتفضيل الذكور أيّاً كانت مؤهلاتهم وإمكاناتهم بحجة خصوصية العمل، وإنما بتوسيع مساحة تعليم الإناث وتدريبهن على مختلف الأعمال والمهام.
أما تعمق خاصية التمركز
الجغرافي الكثيف للسكان، فهذه حلها لا يكون إلا تنموباً، ووفق برنامج وطني تشارك في إعداده وتنفيذه الوحدات الإدارية، من أصغرها إلى أكبرها.
مع العلم أن الفترة الماضية شهدت تغيراً جغرافياً لتوزع السكان، تمثل في عودة آلاف العائلات إلى مناطق سكنها الأصلية.. فكيف ستكون النتائج فيما لو جرى تنفيذ خطوات تنموية واقتصادية واضحة في المناطق المستهدفة؟.
لكن قبل أن نستمر في الحديث عن سبل معالجة الخلل الحاصل في المؤشرات الديموغرافية، دعونا نسأل التالي:
هل تؤخذ هذه المؤشرات بعين الاعتبار عند اتخاذ أي قرار اقتصادي، أو اعتماد أي برنامج تنموي؟.
لا أعتقد أن ذلك يحدث على مختلف المستويات المؤسساتية، وفي القطاعين العام والخاص. وإن حدث فغالباً ما يتم بصورة عرضية وسطحية، أو بقرار من جهة أعلى.
فليس المهم تنفيذ مشروع استثماري في هذه المنطقة أو تلك، بقدر أهمية أن يكون منسجماً مع المؤشرات الديموغرافية والاقتصادية للمنطقة، وإلا فإن مصير أهدافه سيكون الفشل، وهناك أمثلة كثيرة عن سنوات ما قبل الحرب.
بعد ثماني سنوات حرب، ليست لدينا مؤشرات ديموغرافية «قاتلة» كما كنا نعتقد أو نتوجس، وهذا أكثر ما يريح ويطمئن.
إنما الخوف أن تدير مؤسساتنا «ظهرها» لهذه المؤشرات وتقلل من أهميتها، فتكبر بذلك المشكلة الديموغرافية وتتعمق أبعادها، وما كان يحتاج حله إلى سنة يصبح في ضوء ذلك يحتاج إلى سنوات وسنوات..!.

بقلم ـ زياد غصن: