في مثل هذه الظروف، تظهر أهمية مشروع بناء ثقافة جديدة للاستهلاك في سورية.

وهذه دعوة ليست بجديدة، فقد نصح كثيرون مع بدايات الأزمة والعقوبات الغربية بالتركيز على تغيير ثقافة الاستهلاك لدى المواطن السوري، بحيث يسهم ذلك التغيير في تخفيف فاتورة الغذاء المستورد، مقابل الاعتماد على السلع المنتَجة محلياً أو الأقل تكلفة.

لكن للأسف لم يتم تحقيق أي خطوة في هذا الاتجاه، فكانت النتيجة أن اضطرت البلاد لتحمل تكاليف مالية كبيرة جراء الحصار الغربي وتقلبات سعر الصرف خلال السنوات السابقة.

وكي لا يخطف البعض «الكباية من راس الماعون» كما يقول المثل الشعبي، فإننا نود التوضيح أن الحديث هنا يتناول أهمية بناء ثقافة جديدة للاستهلاك، وليس الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك، المتأثر سلباً بفعل ثماني سنوات حرب..

ونعتقد أن الفرق واضح بين المصطلحين، إلا إذا كان هناك من يصر على رؤية الأمر وفقاً لغاياته وأفكاره.

مشروع بناء ثقافة جديدة للاستهلاك يفترض أن يتجه لتحقيق نتائج ملموسة في ملفين أساسيين هما: الملف الأول يتعلق بتشجيع استهلاك المنتج المحلي بمختلف تخصصاته واستخداماته، وهذا له انعكاسات إيجابية أكثر من أن تحصى، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

وهناك جهود بذلت في هذا الملف منذ سنوات ما قبل الحرب، وتبذل خلال السنوات الأخيرة، إنما لم يتحول الأمر بعد إلى ما يشبه الثقافة العامة.

الملف الثاني يتمثل في نشر وترويج عادات استهلاكية جديدة تسهم في التخفيف من فاتورة السلع المستوردة، والتي لا يوجد لها نظير محلي من جهة، ومن دون المس باحتياجات المواطن الاستهلاكية من جهة أخرى.

مثالنا على ذلك قائمة المأكولات المعروفة لدى مختلف شرائح المجتمع السوري، والتي يمكن في حال النجاح بتغيير ترتيب أولوياتها لدى المواطنين، التخفيف من وطأة الحصار الاقتصادي الغربي وإنفاق أفضل للأموال المخصصة لاستيراد هذه السلعة أو تلك.

قد يؤدي النجاح في تغيير عادات تناول المواطن للقهوة يومياً إلى توفير مبلغ ما، وتحويله إلى مكان آخر يستثمر في سد احتياجات مريض أو طالب أو مسن أو غير ذلك.. كذلك الأمر بالنسبة مثلاً للشاي، المتة، الرز، السمون.. وغيرها.

مرة أخرى هذه ليست دعوة لوقف استهلاك تلك السلع كما قد يفهم، وإنما اقتراح لدراسة تغيير عادات استهلاكها بما يخفف الضغط عليها لصالح سلع منتجة محلياً.

أعرف أن نسبة كبيرة من السوريين يفتقدون اليوم أمنهم الغذائي، وأن آخرين معرضون للحاق بهم مع أي موجة غلاء أو انخفاض في الدخل.. وأن هناك شريحة لا بأس بها مازالت على بذخها وإسرافها وكأن شيئاً لم يحدث في البلاد.

لكن مع تشديد الحصار على بلدنا، فإن إعادة النظر بثقافة الاستهلاك السائدة تبقى إحدى الأولويات لمواجهة تأثيراته، وتوسيع مظلة دعم الطبقات الاجتماعية المحتاجة.

بقلم ـ زياد غصن