أكثر ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن القطاع العام أن مؤسساته تعاني من فائض كبير في عمالتها، ليأتي لاحقاً التبرير بأن ذلك حدث نتيجة سياسة الدولة الاجتماعية..!.


ربما يكون التعبير الأفضل عن مشكلة العمالة في القطاع العام أنها مشكلة سوء توزيع أولاً.. وسوء استثمار ثانياً.. فسوء توظيف ثالثاً.
بدليل أن هناك مؤسسات كثيرة تعاني زيادة ملحوظة في عدد عمالها الإجمالي، لكنها في الوقت نفسه تفتقد لاختصاصات مهمة وضرورية..
وهناك أيضاً مؤسسات تمتاز بمحدودية إيجابية في عدد عمالها، إلا أنها أيضاً تستنزف تلك المحدودية في هياكل تنظيمية «فضفاضة».
وهذه تراكمات سنوات طويلة من «عشوائية» التوظيف، ولا يمكن معالجتها بين ليلة وضحاها كما يعتقد البعض، فهناك مقاومة شديدة لأي عملية إعادة توزيع محتملة للعمالة بين مؤسسات القطاع العام، كما أن تغير الهياكل التنظيمية والوظيفية ليست بالأمر السهل واليسير أيضاً.
لكن.. هل يمكن القول إن العدد الإجمالي للعاملين في مؤسسات القطاع العام حالياً كبير وفق الاعتقاد السائد، ولا يتناسب مع ما تحتاجه تلك المؤسسات؟.
في كتابه الجديد «القطاع العام في سورية.. بين الحوكمة والخصخصة»، يستعرض الأستاذ الدكتور حسين القاضي، واستناداً إلى دراسة إحصائية منشورة في مجلة الأبحاث الأوروبية، بعض البيانات المتعلقة بالمشروعات المملوكة للدولة في عدد من الدول الغربية..
وبمقاربة بسيطة لتلك النتائج نجد أن وسطي عدد العمالة في المنشآت المملوكة من الدولة في بعض الدول الغربية ليس بالقليل، فهو في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ نحو 26 ألف عامل في المنشأة الواحدة، 27,7 ألف عامل في فرنسا، 19 ألف عامل في المملكة المتحدة، 4,8 آلاف عامل في ألمانيا، 2,7 ألف عامل في السويد..
وإذا افترضنا أنه يعمل في مؤسسات القطاع العام حالياً نحو 1,5 مليون عامل، وأن عدد الجهات العامة الرئيسية والفرعية نحو 3500 جهة، فهذا يعني أن عدد العمال في كل جهة لا يتجاوز وسطياً نحو 428 عاملاً..!.
إن التعاطي مع ملف العمالة في مؤسسات الدولة والقطاع العام يجب أن ينطلق من نقطتين مهمتين:
– الأولى هي في حجم حضور القطاع العام في الحياة العامة والمهام المكلف بها رسمياً، ومستقبل ذلك الحضور في ضوء المتغيرات الكثيرة التي حملتها الحرب..
– الثانية تتعلق بالتوزع المؤسساتي للموارد البشرية داخل القطاع العام وسماته وخصائصه، وارتباط ذلك بالمؤشرات الديمغرافية لكل محافظة وأثرها على سوق العمل فيها. ومثل هذه المعلومات لا يمكن أن تكون دقيقة وموضوعية ما لم يوفرها مسح علمي شامل لواقع عمالة القطاع العام.
وهذا يعني أنه علينا التفريق بين الاحتياجات الفعلية لمؤسسات القطاع العام، التي قد تزيد من العدد الإجمالي للعاملين فيها عما هو موجود حالياً، وبين عمالة «الأمر الواقع» حالياً، والتي تمثل «تشوهاً» كبيراً لخريطة احتياجات مؤسسات الدولة من الكوادر البشرية.. وكلنا يعلم بماذا تسبب ذلك التشوه!.

زياد غصن