هل يمكن أن تكون كلفة مكافحة الفساد أكبر من تكلفة الفساد نفسه؟.


لكل منا إجابته على هذا السؤال انطلاقاً من قناعته الشخصية، تجربته في مقاربة شجون الشأن العام، وتعاطيه مع ملف الفساد بتفاصيله.
هذا السؤال يطرح بغض النظر عن الموقف العام من الفساد كظاهرة منبوذة اقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً، وإن كان البعض يرى أن هناك جانباً «إيجابياً» في الفساد يمكن استثماره أحياناً، كما نقل سابقاً عن أحد مسؤولي فترة ما قبل الحرب..!!.
عملياً.. قد تكون كلفة مواجهة الفساد كبيرة.. وكبيرة جداً، لكن قياسها إلى تكلفة الفساد نفسه أمر غير موضوعي لأسباب كثيرة أبرزها الافتقاد إلى دراسات علمية وموضوعية عميقة حول هذا الموضوع، وثانياً لماهية الكلفة التي نتحدث عنها، والتي غالباً هي ليست ذات طابع مالي فقط كما قد يعتقد البعض..
فالكلفة التي نتحدث عنها تتلخص في التأثيرات الناجمة عن الممارسات الخاطئة في ملاحقة الفساد، عن الانتقائية وعدم الموضوعية، عن المواقف المسبقة والشخصنة، عن شيوع حالة عدم الثقة والمركزية الشديدة في العمل..
والأهم الكلفة الناجمة عن مقاومة مكافحة الفساد، وهذه يجب ألا نستهين بها، لأنها متشعبة وخلفها مستفيدون كثر.
كل ذلك يتسبب بخسارة المؤسسات العامة لكفاءاتها وخبراتها تحت ضغط الخوف من الخطأ، بقتل المبادرات والأفكار الجديدة تجنباً للمساءلة، بتراجع الأداء والإنتاج للتهرب من المسؤولية.. وجميعها كلف تدفع المؤسسات العامة ثمنها عاجلاً أم آجلاً.
لكن في المقابل، فإن تلك الكلف يجب ألا تتحول أيضاً إلى شماعة لتبرير التباطؤ في مكافحة الفساد، أو مدخلاً للتغطية على حوادث فساد هنا أو هناك..
لذلك بقدر اهتمامنا بمكافحة الفساد يجب أن يكون اهتمامنا كذلك بتخفيض كلف تلك العملية، وإلا فإن مؤسساتنا العامة ستظل تئن.. إما من الفساد بتكلفته الباهظة المعروفة وإما من تداعيات بعض الأساليب غير المؤسساتية في مكافحته.
أقرب تشبيه لما سبق ما يحدث في بعض مستشفياتنا، التي لا يكتفي أطباء فيها بمعالجة جراح المرضى، بل يحمّلونهم جراحاً أخرى جديدة قد تكون أكثر خطورة وأذى من ذي قبل.. والأمثلة أكثر من أن تعد أو تحصى.
باختصار..
ليس هناك شيء بلا كلفة.. ليست الأمور دائماً مثالية.. والدواء غالباً ما يكون مُرّاً.
إنما لنحرص أن يكون شفاؤنا سريعاً، فلا تكبر كلفة الشفاء ولا نضطر لتناول المزيد من الدواء المُرّ.

زياد غصن: