لم تكتف إدارة ترامب بكل ما قدمته للكيان الصهيوني من دعم غير محدود ومساندة غير قانونية ومكاسب غير مسبوقة خلال أربع سنوات من ولاية رئاسية كانت حافلة بالجنون والاستفزاز والحماقة والسلوكيات الخارجة على القوانين والأعراف الدولية، بل عمدت – رغم خسارتها الانتخابات الرئاسية لصالح الديمقراطيين واقتراب موعد الخروج غير المأسوف عليه من البيت الأبيض - لإرسال وزير الخارجية الأكثر وقاحة واستفزازا مايك بومبيو بمهمة عاجلة وأخيرة – غير مفهومة الأسباب - إلى إسرائيل، حيث قام الأخير بزيارة المستوطنات الإسرائيلية المقامة بطريقة غير شرعية في الجولان العربي السوري المحتل ـ وهي أول زيارة من نوعها لوزير خارجية أميركي – ليؤكد للعالم أجمع أن أميركا ليست مجرد دولة تنتهك القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي تطالب إسرائيل بالانسحاب إلى خط الرابع من حزيران، وإنما هي جهة تدعم الاحتلال والعدوان وسرقة الأراضي والإرهاب الذي تمارسه إسرائيل منذ قيام كيانها الغاصب حتى اليوم، ولعل ما قاله بومبيو خلال هذه الزيارة المستفزة بخصوص بقاء الجولان تحت سيادة الاحتلال والتحذير من عودته لأصحابه الشرعيين عبر التاريخ يعطي صورة واضحة عن الفهم الأميركي المقلوب لعملية السلام ومتطلباتها وفق مؤتمر مدريد للسلام والمبادرة العربية وقرارات الأمم المتحدة، والتي أول بديهياتها الانسحاب الكامل وغير المشروط من الأراضي العربية المحتلة إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967.

ما من شك أن زيارة بومبيو للجولان العربي السوري المحتل تستحق الاستنكار والادانة من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لأنها اعتداء سافر على السيادة السورية شأنها شأن الاحتلال تماماً، وهي محاولة يائسة من إدارة منتهية الصلاحية لتأكيد أن القرار الذي اتخذه ترامب العام الماضي والقاضي بالاعتراف بسيادة إسرائيل غير القانونية على الجولان العربي السوري المحتل هي أمر واقع يجب الاعتراف به والتعامل معه، ولكن بومبيو وإدارته تتجاهلان أن الجولان هو أرض سورية محتلة لها أصحاب شرعيون نزحوا عنها مضطرين بسبب الإرهاب الصهيوني وهم ينتظرون عودتهم القريبة إلى أرضهم بعد تحريرها سلما أو حرباً، فيما لا يزال في مجدل شمس ومسعدة وبقعاتا وباقي قرى الجولان المحتل سوريون مقاومون يرفضون الاحتلال ويعبرون عن ذلك في كل مناسبة، وأن سنوات الاحتلال الطويلة لم تغير شيئاً في حقيقة أن هذه الأرض سورية يتطلع إلى تحريرها السوريون بكل مكوناتهم دولة وشعبا وجيشا وحكومة وقيادة، وان مثل هذه الحركات الاستفزازية لن تزيدهم الا تمسكا بها وإصرارا على استرجاعها، وأن ما قام به بومبيو هو تصرف لا يقدم عليه إلا مأزومون لم يعد في جعبتهم سوى التصريحات الجوفاء الخالية من أي مضمون قانوني أو أخلاقي، وهي لن تستطيع أن تلغي التاريخ والجغرافيا أو تغير قناعة السوريين بخصوص تحرير أرضهم طال الزمن أو قصر.

وما من شك أيضا ان تصرف بومبيو يحمل في طياته تشجيعا للكيان الصهيوني لارتكاب المزيد من حماقات العدوان بوهم تثبيت الاحتلال الصهيوني واستغلال الوجود الأميركي الاحتلالي في الشمال السوري، والهدف منه حصول إدارة ترامب على دعم الكيان في ما تبقى من ولايتها لتمرير بعض الأجندات المؤجلة او مساعدته للانقلاب على الرئيس الأميركي المنتخب، وهذا يعني ان ترامب المخلص للصهيونية لا يريد أن يغادر البيت الأبيض بهدوء.

وفي العموم تكشف زيارة بومبيو المستفزة - وهي رغبة إسرائيلية بالتأكيد -أن الكيان الصهيوني قلق من المستقبل مع وجود إمكانية كبيرة لفتح جبهة الجولان في قادم الأيام في حال اكتمال تعافي سورية من الحرب الإرهابية التي شنت عليها، وهو يرغب في توريط واشنطن بالانخراط أكثر في العداء لسورية كي تضمن امن إسرائيل المهدد بقوة في أي حرب قادمة.

كما تكشف هذه الزيارة المستفزة أن كل خطوات التطبيع التي تمت مؤخرا بوهم السلام بين العرب وإسرائيل ونهاية الصراع لمصلحتها دون أن تقدم شيئا للعرب لم تحقق الغرض منها ولا سيما أن جميع المطبعين الجدد لا يملكون اي مفتاح من مفاتيح السلام وليس باستطاعتهم تقديم الأمن والأمان لكيان الاحتلال طالما أصحاب الأرض المحتلة والحقوق المغتصبة لم ولن يتنازلوا عنها، فليطمئن بومبيو وإدارته إلى أن هذه الحركات الاستعراضية مجرد لعب مراهقين في الوقت الضائع لن تقدم أو تؤخر في مسار الصراع ولن تطفئ وهج قضية الجولان العربي السوري المحتل المتقدمة في أولويات السوريين جميعا..