أجرى الباحث الدكتور مهدي الزغبي أستاذ الجغرافيا الاقتصادية في جامعة دمشق بحثاً علمياً نشر مؤخراً في مجلة جامعة البعث للعلوم الهندسية تضمن دراسة ميدانية استمرت لأكثر من أربع سنوات بين عامي 2014-2018 بعض مراحلها موثقة بالصور والفيديوهات وكانت الحالة الدراسية منطقة جبل الحلو ..
و ذكر الزغبي أنه من المؤسف والمحزن أن كافة نتائج البحث كانت سلبية وبعضها كارثي تمثل بإزالة عشر غابات عن وجه الأرض..

و أشار إلى أن البحث اتخذ منهج دراسة الحالة (Study case) مسلكاً رئيساً لتحقيق أهدافه، والإجابة عن أهم أسئلته، حيث يقوم هذا المنهج على اختيار حالة أو وحدة معينة ودراستها وتحليلها بشمول ودقة وعمق والخروج بتعميمات تنطبق على الحالات المماثلة لها أو الشبيهة بها، حيث تم اختيار منطقة جبل الحلو كحالة دراسية, نظراً لكونها من المناطق السورية الغنية بغاباتها الطبيعية ومناطقها الحراجية الاصطناعية التي منحتها شهرة سياحية على المستوى الوطني، فضلاً عن الموقع الجغرافي للمنطقة عند نقطة التقاء ثلاث محافظات سورية هي حمص وحماه وطرطوس ولهذا فإنها تمثل عينة نموذجية تعطي عملية تعميم النتائج التي توصل إليها البحث على باقي مناطق القطر مصداقية أعلى،وأكد الزغبي أن معرفته الجيدة بجغرافية المنطقة سهلت العديد من الإجراءات، وذللت أمامه كثيراً من الصعاب. 
مؤكداً أنه اعتمد أسلوب المسح الميداني والزيارات الاستطلاعية المتكررة لمواقع الغابات للوقوف على أثر الأنشطة البشرية فيها , حيث بلغ عدد الجولات الميدانية التي تم القيام بها أكثر من مئة جولة، وشملت إتباع أساليب عديدة للوصول إلى الحقائق منها المشاهدة والملاحظة، والقياس، والتحري، والمقابلات الشخصية وغيرها.
زوال غابات بأكملها
و أشار الزغبي أنه على الرغم من وجود التشريعات الخاصة بحماية الغابات والمناطق الحراجية في سورية، فقد شهدت غابات منطقة جبل الحلو تعديات جسيمة خلال فترة الحرب التي مرت بها البلاد 2011-2017، وموضوع الاعتداء على الغابات ليس وليد الحرب لكنه ازداد بسببها واستغلالاً لظروفها، فإذا كانت التعديات فيما مضى لاتتجاوز قطع بعض الأشجار أو حتى بعض الأغصان فإن التعديات خلال الحرب أسفرت عن إزالة غابات بأكملها عن الوجود كما حدث في بلدات شين وبرشين وبتيسة الجرد وحداثة والصويري؛ كما تعرضت باقي الغابات لعمليات قطع كلي للأشجار، وتفاوتت نسبة الأضرار تبعاً لدرجة الحماية التي وفرت لهذه الغابات، فبينما كانت نسبة الأضرار في بعض المواقع المحمية بسيطة وتكاد لاتذكر، كانت الأضرار جسيمة جداً في المواقع التي لم يتم توفير الحماية الكافية لها.
كما شهدت منطقة جبل الحلو قطع الأشجار الحراجية الموجودة ضمن أو بجوار الأراضي الزراعية بهدف استخدامها في العمران لأغراض السكن أو لإقامة المنشآت السياحية والتجارية والصناعية، وحدث ذلك بفعل تداخل الأراضي الزراعية بأراضي الغابات، وعدم وجود تحديد وتحرير للأراضي الزراعية في بعض القرى المجاورة للغابات .
حرائق بالجملة 
وأوضح الباحث الزغبي أنه خلال فترة الدراسة اندلعت العديد من الحرائق الكبيرة كحريق شين الكبير الذي امتد لعدة بلدات وقضى على القسم الغربي من غابة بوردة في بلدة صفر تلك الغابة التي حماها سكان بلدة صفر من الاعتداءات طوال فترة الحرب قضى عليها الحريق خلال ساعات ، وقد أظهرت المعطيات أن حرائق الغابات أما مفتعلة وأما ناجمة ﻋﻦ ﺍﻹﻫﻤﺎﻝ البشري مثل حرق مخلفات الأراضي الزراعية والحرائق التي تتسبب بها الأسلاك الكهربائية التي تمر فوق الغابات، وأيضاً هناك لا مبالاة لدى البعض بإلقاء أعقاب السجائر، أو بعدم التأكد نهائياً من إطفاء مواقد الحطب التي يستعملونها لإنضاج طعامهم وشرابهم.
للصيد و الرعي دور آخر
حيث أظهرت الدراسة أن غابات جبل الحلو تشهد تدخلاً للعنصر البشري عبر ممارسة حرفتي الرعي والصيد، وإذا كان قانون الحراج رقم /6/ لعام 2018 سمح لسكان القرى الواقعة داخل وجوار الحراج بالرعي بشكل مجاني وبشكل مأجور للقطعان الوافدة، فإن الأمر يتطلب عملية تنظيم ومراقبة لا أكثر وذلك لتجنب العواقب البيئية السلبية للرعي غير المنظم، وعلى عكس الرعي فمن الضروري منع الصيد وعدم السماح به على الإطلاق حفاظاً على التنوع الحيوي والنظم البيئية، فهو يؤدي إلى استنزاف الحياة البرية وتعريض التنوع الحيوي إلى التدهور.
غياب القوانين الصارمة 
و أشار الزغبي في بحثه إلى أن رمي القمامة في الغابات ليس مشكلة جمالية فحسب وإنما مشكلة بيئية لها عواقب وخيمة، وتكمن المشكلة في غياب القوانين الصارمة التي تمنع رمي النفايات وتعاقب المخالفين بدفع الغرامات أو الحبس، وعدم السعي الجدي إلى إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة الخطيرة، فلا توجد في مواقع الغابات في جبل الحلو حاويات للقمامة مما يؤدي إلى انتشار الأوساخ في هذه الأماكن بشكل يسيء إلى جمالية هذه الغابات ويلوث بيئتها.
كما شهدت غابات جبل الحلو في منطقتي برشين وغابة ضهر القصير الحراجية حالات سرقة لإنتاج الأشجار الحراجية المتعددة الأغراض (كستناء, صنوبر ثمري ) ،ومن هنا تظهر أهمية اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية هذه الثروة الوطنية.
توصيات 
و أكد الزغبي أنه نظراً للفوائد البيئية والاجتماعية والاقتصادية العظيمة للغابات، لابد من إجراء مسح كامل ودقيق لأراضي الغابات، واستخدام تقنيات وآليات حديثة لتوفير قاعدة بيانات كاملة عنها، ووضع خطط سريعة لإعادة تحريج الغابات المتدهورة، والبدء بمشاريع كبرى لاستزراع غابات جديدة في سورية, بالإضافة لضرورة تشديد الرقابة على الغابات والحراج، وعدم التساهل في تطبيق القوانين، وقمع المخالفات والتعديات، ومحاسبة الفاعلين بما يحقق الردع الفعلي لتلك المخالفات والتعديات، هذا الردع الذي أثبت فعاليته في بعض المواقع حتى في ظل الحرب الظالمة على سورية وتداعياتها، في حين تسبب غيابه في كثير من المواقع بخسائر كبيرة لا تعوض أو يتطلب تعويضها عشرات السنين.
و يرى الزغبي في توصيات بحثه أنه لا بد من إيجاد إستراتيجية متكاملة لإدارة الغابات وضمان استدامتها، لاسيما فيما يتعلق بتأمين التجهيزات المناسبة لتنظيم السياحة الشعبية في الغابات بهدف الحفاظ على جماليتها ومنع تلوثها، ولابد من المراقبة الفعالة الهادفة إلى تنظيم عمليات الرعي ومنع الصيد وحماية الحراج المثمرة، ولابد أيضاً من تطبيق خطط الإدارة المتكاملة لحرائق الحراج، ولعل ذلك يبدأ بتأمين المستلزمات الكفيلة بتطويق الحرائق ومنع انتشارها وإنشاء حرم حماية حول الطرقات، وأماكن النشاط البشري في الغابات، واستخدام تقنيات الإنذار المبكر للحرائق. 
مشيراً إلى أن السياحة البيئية، والسياحة العلاجية،وحفظ وتنظيم حقوق الانتفاع للسكان المحليين من مخرجات الغابة، والصناعات الصديقة للغابات، وزيادة مساحة الحراج المثمرة جميعها مشاريع ذات أبعاد بيئية واقتصادية كبيرة.
أخيراً 
أشار الباحث إلى أن الحفاظ على الغابات والحراج تعد إحدى المهام الوطنية ولذلك فإنه من الأهمية بمكان العمل على رفع مستوى الوعي بأهمية الغابات، وبات من الضروري إدخال مقررات التوعية البيئية ضمن مناهج وزارة التربية، وكذلك تفعيل التدريب العملي والميداني لطلاب الجامعات وتوجيههم إلى دراسة مواقع الغابات، وتحديد أهم مشاكلها، وإيجاد الحلول لها، و تشجيع ودعم الدراسات والأبحاث العلمية التي تتمحور حول سبل حماية وتطوير وتنمية هذه الثروة الطبيعية.
هنادي سلامة

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع