أيدي حفرت فيها خيوط الصوف السميكة المتينة شقوقاً هي آثار عمل مضن، وبعيون تتطلع إلى ألوان زاهية تحاك مع بعضها البعض مشكلة لوحة فنية زاهية الألوان والأشكال، وبأنفس لاهثة أتعبها غبار الصوف كما أرهق العمل المضني عاملاتها لتثمر في النهاية سجاداً يدوياً جميل الشكل والألوان ومتانة لا تضاهى، قلة من النسوة هن آخر من بقي من عصر حرفة حياكة «السجاد اليدوي» حفاظاً على طقوس هذه المهنة التي هي مصدر رزقهم، رافضات تسليمها لأيدي الانقراض والذوبان في هيمنة الآلة. الوحدات الإرشادية لصناعة السجاد التي كانت منتشرة في عدد من مناطق محافظة حماة كانت آخر ما تبقى من هذه المهنة التي تعد اليوم على شفير هاوية الانقراض.

العاملات في حياكة السجاد، يعتبرونها برغم قساوة مزاولتها من أروع المهن كونها تضع شيئاً من أرواحهم فيها، فأية سجادة يدوية يجب أن تقوم إلى جانب الخبرة والحرفية، على جانب الفن والإبداع، الذي يحفز العاملة لإبداع رسومات وتصاميم وزخارف عالية الدقة والجمالية، وطبعاً إدخال هذه التصاميم يكون مع كل لفة خيط أثناء حياكة السجادة، لذا لابد أن تظل الذاكرة متقدة لحفظ جميع خطوات تدخيل الزخارف، وأية هفوة مهما كان صغرها من الممكن أن تشوه مظهر السجادة بالكامل التي قد يستغرق العمل عليها أشهراً بأكملها.

هي المتانة والقوة والعمر الطويل، وكل سجادة مصنوعة باليد تعد تحفة فنية حقيقية نظراً للدقة في حياكتها، فالعاملة تضع لمساتها الخاصة، ولاسيما الأصناف العالية من السجاد اليدوي كالجداريات الصغيرة التي تستخدم للأغراض التزيينية والتراثية .

واليوم تعاني صناعة السجاد اليدوي من الموت بسبب عدم وجود سياسة تسويقية جيدة، الأمر الذي أدى إلى خفض الإنتاج وعزوف العمال عن العمل، حيث إنه وخلال السنوات الخمسة الماضية تم توقيف تسعة وحدات لصناعة السجاد بشكل كامل في محافظة «حماة»، لعدم توافر اليد العاملة، وضعف التسويق، وبسبب المنافسة غير المتكافئة مع السجاد الآلي الأرخص من حيث السعر، وقدرة تسويقية أفضل، إضافة إلى ارتفاع سعر كيلو الصوف الحر»، وارتفاع أجرة اليد العاملة، لأن صناعة المتر الواحد من السجاد اليدوي، قد تستغرق شهر تقريباً إذا كان من الصنف العادي، أما إذا كان من الصنف العالي لا تستطيع العاملة إنتاج أكثر من نصف متر.

أما أصناف السجاد فهي عديدة منها:

«صنف ثلاثمئة نسبة إلى عدد عقد الخيوط في المتر والتي تبلغ 300 عقدة، أما الصنف الثاني ويسمى «صنف 400، والصنف الثالث فهو «صنف 500 أما الصنف الرابع هو «صنف 600 « وهو أرقى أصناف السجاد .

اليوم لم نعد نشهد وجوداً لمثل هذا السجاد في الأسواق وهذه المهنة تكاد تتلاشى وتختفي في ظل عدم الدعم الرسمي، وإهمالها من الجهات المعنية.

فكيف لنا أن نحمي هذه الصناعات من التلاشي، لماذا لا نقف معها في تحديها لكل ملامح العولمة الصناعية التي لم تقدم لنا سوى الشكل دون المضمون، وإن كان السعر يناسب أكثر الجيوب، ولكن لا نريد أن تصبح مثل هذه الصناعات اليدوية ضرباً من التراث.