(اقعدوا أربعات وإلا ما بمشي، بتدفعوا زيادة مشان أخدكم أو خليكم منقوعين بهالشمس، مارح اشتغل لا حدا يركب)..
 وغيرها من عبارات يطلقها سائقو سرافيس وباصات النقل، قصص المعاناة لكل موظف ومراجع وطالب يتنقل بين أرجاء هذه المحافظة سعياً وراء رزقه أو تعليمه، معاناة يومية، وإهانات بالجملة، عليك أن تبتلعها مرغماً كي لا تتأخر عن عملك أو تعود إلى بيتك قبل غياب الشمس.
يبدأ مشوارك صباحاً حين يرفض السائق أن يقلك إلى عملك بحجة تعاقده مع جهة ما لنقل موظفيها، وإذا حالفك الحظ ووجدت سرفيساً يحملك فعليك أن تجلس في حضن راكب بجانبك دون أن تنبس ببنت شفة، أو تبدي امتعاضاً ولو خفيفاً، قد يكلفك مشكلة مع سائق يبدو أنه لا يعبأ بالقوانين والأنظمة ولا يراها حتى..
 ساعات الذروة في الظهيرة تتفاقم المشكلة، لتصبح كارثة حقيقية تفقدك إنسانيتك تماماً أمام التدافع الشديد، والزحام الأسطوري، وشتائم السائقين، وامتناعهم عن النقل بألف حجة ورواية، ليوصلوك إلى بيت القصيد وهو رفع التسعيرة على هواهم، وحشر خمسة في مقعد صمم لثلاثة (وإذا ما عجبك نام بالكراج).

بعض قصص المعاناة
في أول أيام امتحانات الطلبة للشهادة الثانوية اضطر الطلاب أن يدفعوا ضعف التسعيرة مرغمين، كي لا يتأخروا عن تقديم امتحاناتهم على بعض الخطوط في القرى البعيدة، ولو تجرأ أحدهم، وتقدم بشكوى سيتضامن السائقون، ويمتنعون عن نقله، كما حصل لكل من تقدم بشكوى سابقاً، في الكراج ستجد السائقين يتركون خطّهم المقرر لينقلوا ركاب خط آخر بعد مضاعفة الأجرة، مما يشكل زحاماً خانقاً على خطهم، ليقوم سائق من خط آخر بنقل ركابهم بنفس شرط رفع التسعيرة، وهكذا دواليك، سرافيس الخطوط الداخلية (العريض- الكرامة) والتي من المفترض أن تصل نهاية الخط وهو حي الرادار، ولكن ذلك بالمجمل تقريباً لا يحصل، بل وصل الأمر بالسائقين إلى استحداث موقف غير رسمي على دوار جسر الغمقة، ليصبح المواطن ملزماً بدفع الأجرة مرتين لسرفيسين ليصل إلى حي الرادار، أغلب الخطوط التي تربط مدينة طرطوس بالمدن التابعة لها لا يعمل عليها عدد كافٍ من السرافيس، وعدادات التكسي الموضوعة للزينة فقط، وقصص استغلال كثيرة لا يسع هذا التحقيق ذكرها، ومن كثرة الشكاوى والمعاناة التي نعيشها وتصلنا إلى الجريدة قررنا نقلها لأصحاب الشأن وهذا ما كان.
مديرية النقل لا علاقة لها
الأستاذ محمد يونس مدير النقل في طرطوس استقبلنا، واستمع لأسئلتنا، وأجاب بأن عملهم مقتصر على إحصاء المركبات، ونقل ملكيتها، وتحديد الخطوط، ولا يملكون سلطة مخالفة السائقين، ولا تحديد التعرفة، فهي من اختصاص مديرية التموين والسلطة التنفيذية (الشرطة)، وبعض الشكاوى المحالة إليهم، تدرس في لجنة نقل الركاب برئاسة المحافظة، وقام بتكليف رئيس دائرة الحركة ونقل الركاب السيد كمال محمود بإعطائنا الإحصائيات اللازمة لتحقيقنا وكانت كالآتي:
 عدد سرافيس النقل في طرطوس يبلغ /3600/ موزعين على /340/ خطاً  داخلياً وخارجياً،  ويبلغ عدد سرافيس النقل بين مركز المحافظة ومدنها (دريكيش - صافيتا - بانياس - الشيخ بدر) أكثر من /400/  وبين المدن وأريافها أكثر من /800/ ولدى سؤالنا عن عدد السرافيس العاملة على خطوط تعاني من الازدحام الشديد مثل طرطوس (دريكيش، بانياس، صافيتا) تبيّن أنها لا تعاني من نقص أبداً، فخط بانياس مسجل عليه /121/ سرفيساً (عشرة بالمئة منهم ملزم بقرار لجنة النقل بالمرور على الخط القديم لتخديم 16 قرية وهذا لا يحدث)،  صافيتا /185/، دريكيش /66/ سرفيساً عدا باصات نقل كبيرة الحجم مكلفة من قبل المحافظة لتقليل الازدحام في ساعات الذروة، فلماذا توجد هذه المشكلة إذاً، وأين مكمن الضعف الذي يخلق هذه المعاناة للمواطن؟ ليكون الجواب من السيد كمال بأن ما يسجل على الخطوط من وسائط نقل عامة ليس ما يعمل فعلياً، فأغلب وسائط النقل المسجلة لدينا تباع وتشترى بوكالات قانونية دون إعلامنا بذلك، وهذا ما ليس بيدنا فلا قانون يلزم أحد الأطراف بإبلاغنا.
لجنة نقل الركاب والسير في المحافظة
تراجع المحافظة عن قرار التزود بالوقود من الكراج هو أمر إيجابي، حيث أصبحت مخصصات وسائط النقل العام تصرف بموجب البطاقة الذكية من أي محطة وقود تحاشياً للازدحام، وبالأصل فإن هذا القرار كان مؤقتاً أثناء مرورنا بأزمة المحروقات، ولا داعي لاستمراره، وحين حاولنا الشرح للمهندس سالم معلا عضو مكتب تنفيذي لشؤون النقل بأنه رغم هذه المبررات كان من الأجدى الإبقاء على ما يساهم بحل المشكلة قاطعنا قائلاً: الأمر يتعلق بشريحة معينة سيتوقف رزقها وهي مساهمة بالاقتصاد الوطني وهذا الأمر لا داعي لمناقشته، ورغم حدته معنا في موضوع العقود وتبريره بأخذ تعهدات من السائقين المتعاقدين بعدم التسرب ومخالفات شديدة لمن لا يلتزم، لكننا تجرأنا وأوضحنا أن المحافظة معنية بأمور المواطنين، وحل مشاكلهم، وليس الشركات التي تتبع لوزارات تقع عليها مسؤولية نقل موظفيها وليس عليكم، وإن منع العقود يحل جزءاً كبيراً من المشكلة، ويغنيكم عن إجراءات كثيرة تعالج تبعات السماح به، وخصوصاً أنه يعطي حجة قانونية للتسرب من العمل، أجاب بأن المتابعة يومية وأخرج عدة أوراق لسائقين مخالفين ستجري معاقبتهم، ثم شرح مطولاً عن تشعب الأزمة وتعدد أطرافها، ولا تتحمل المحافظة المسؤولية بمفردها.
مديرية التموين والتعرفة
تعرفة الركوب هي من معضلات النقل فعلاً، وقيام مديرية التموين بوضع تعرفات تتضمن ليرات يجعل من شبه المستحيل التقيد بها من الطرفين (الراكب والسائق) وكأنها بذلك تعطي الحجة للسائق برفع الأجرة نحو الصفر التالي لتصبح تسعيرة 83 ليرة واقعياً 90 أو حتى 100، ناهيك عن بعض الخطوط التي لا تزيد عن أخرى أكثر من خمسة كيلو مترات، ولكن الأجرة مضاعفة تماماً بحجة وعورة الطريق كما برر لنا السيد زيد علي مدير التموين مضيفاً بأن أي شكوى يتم تقديمها بخصوص تعرفة الركوب تتم معالجتها بالسرعة القصوى، وبأن وزارة التموين طرحت تطبيقاً على شبكة الأنترنت (عين المواطن) وهو متاح للجميع ويمكن لأي مواطن تسجيل أي شكوى بخصوص أي مخالفة سعرية من أي نوع كانت، وحين سألناه عن بعض الخطوط التي وبقدرة قادر تم تغيير نهاية الخط وزيادته لعدة كيلومترات (خط طرطوس - مساكن الإسمنت) رغم عدم وجود أي تغيير فعلي على خط السير وإنما فقط لتسجيل مسافة أطول تؤدي إلى أجرة أكبر أجاب بأن المشكلة قد تكون موجودة بالفعل وليست عصية على الحل، وكل عمل لابد من وجود بعض الأخطاء فيه، ووعدنا بمراجعة ذلك، و بتزويدنا بإحصائية تبيّن عدد ضبوط المخالفات المتعلقة بموضوع تحقيقنا، ولمدة أسبوع ونحن ننتظر، وبعد إحالتنا إلى رئيس دائرة حماية المستهلك ثم إلى أحد العاملين فيها، ورغم كل زياراتنا المتعددة وإلحاحنا الشديد لم نحصل على شيء وخرجنا بخفيّ حنين.
انطلاقاً إلى الكراج
آخر الحلقات وأهمها في تحقيقنا والأكثر احتكاكاً بالسائقين ومن يقع عليها تنظيم أمور مركز انطلاق طرطوس (الكراج) ألا وهي الشرطة، توجهنا إلى هناك وألقينا ما في جعبتنا لرئيس قسم شرطة الكراج..
الأسئلة كانت محددة تماماً بأسباب الازدحام، وكيفية متابعة التزام السائقين، والحلول الممكنة لهذه المشكلة، واستمعنا لشرح مفصل وواقعي،  فلبّ المشكلة كما شرحها تكمن عدة محاور:  الأول، السرافيس المرتبطة بعقود نقل للشركات العامة أو الروضات، وهذا ما يحرم بعض الخطوط من ربع عدد وسائط النقل، ولا يمكن إلزام السائق المتعاقد بأكثر من نقلة ركاب واحدة، وهذا ما يشكل ضعف أغلبية الخطوط وتكدساً كبيراً لأعداد الركاب فيصبح نقص وسائط النقل مضاعفاً، أما المحور الثاني فهو تهالك الآليات نتيجة القدم، واضطرار السائقين للصيانة بشكل متكرر، وهذا ما يخرج بعض المركبات عن العمل بشكل مؤقت، مضيفاً ضغطاً إضافياً،  وعدم القدرة على شراء مركبات جديدة في هذه الأزمة فاقم الوضع، والمحور الثالث والأهم هو تسرب كبير لأعداد من السائقين، وعدم التزامهم بالعمل، ونعمل مع لجنة النقل لحل الموضوع، وقدمت اقتراحاً في إحدى اجتماعات اللجنة أن يتم تزويد الكراج بكاميرات مراقبة تربط بغرفة عمليات، مما يسهل مراقبة التجاوزات، والحد منها بشكل كبير، إضافة لميزاتها الأمنية، ورغم قيام البلدية بإجراء الدراسة اللازمة والموافقة عليها من المحافظ مشكوراً، وإعطاء الأوامر بالتنفيذ منذ بداية العام لكن المكتب التنفيذي لم يباشر بها إلى ساعته، وأضاف:  قمت ومن خلال لجنة السير وبالتعاون مع اتحاد العمال باستصدار دفاتر حركة لكل مركبة عاملة، يسجل عليه عدد النقلات المطلوبة، وتتم مخالفة كل سائق لا يلتزم، وفي موسم الأعياد أقوم بطلب باصات النقل الداخلي بما يتوفر في البلدية  لتخفيف الازدحام، ولمعالجة موضوع تسرب السائقين، وعدم الالتزام بالعمل يومياً قمت بإحصاء كل المركبات غير الملتزمة من سرافيس وباصات، وعممتها على مديرية النقل، وأقسام شرطة المناطق والبلدات المسجلة لديها، لمنعها من أي إجراء بيع أو شراء أو استئجار أو نقل دون مراجعتي، ليصار إلى مخالفتها أصولاً كنوع من إلزامها بالعمل، وقد بلغ عدد المخالفات المنظمة من قبلنا كالآتي: عدم التقيد بعدد الرحلات المخصصة /65/ مخالفة، عدم التزام بالمناوبة /9/، زيادة عدد الركاب/4/، زيادة تعرفة /12/،  تغيير خط سير/9/، امتناع عن نقل الركاب /10/،  انتقاء ركاب /6/،  إضافة لمخالفات مرورية متفرقة بلغت /140/ مخالفة.
المشكلة وتحديد المسؤوليات
لا توجد مشكلة مهما عظمت دون وجود حلول حتى لو كانت جزئية، ولا حل دون تحديد المسؤولية عمن يكون السبب الرئيسي، بغض النظر عن الأسباب الصغيرة الأخرى، وهنا لا يمكننا بعين المواطن ولا المتقصّي أن نعفو أحد الأطراف من المسؤولية، فالتقصير ناتج عن الكل، ولكن الحلقات الأقوى ومن بيدها القرار هي التي تتحمل الجزء الأكبر، وعليها تقع المسؤولية الأعظم، فالرقابة التموينية شبه الغائبة، والتي تُشترط لتأدية عملها في موضوع النقل وجود شكوى عدم التزام بالتعرفة، بينما هي جهة واسعة الصلاحيات، ومخولة بالعمل على الأرض دون الحاجة لإرشادها، عن مكمن التلاعب والغش، وتجاوز التسعيرات القانونية، ولا يفترض بعملها أن يكون مكتبياً وبناء على شكاوي فقط بل أن يكون رقابياً أولاً وبشكل مباشر كما تفعل في الأسواق، والتي يعتري عملها فيها أيضاً نقاط ضعف يعرفها الجميع ويشتكي منها، أما المحافظة فهي الجهة الأولى، وأشد من يقع عليه اللوم، كونها الأقوى وبرئاستها تشكلت لجنة النقل لحل المعضلة، وهي الجهة التي سمحت أو تغاضت عن خطأين سببا تفاقم المشكلة، أولهما: مشكلة العقود التي يبرمها السائقون مع الشركات والقطاعات المختلفة والمصادق عليها من المحافظة وهذا يقلل من قدرة أسطول النقل إلى ربع إمكاناته الناقصة أصلاً، وكان الأجدى بها أن تمنع التعاقد مع وسائط نقل عامة مخصصة فعلياً للعمل على خطوط معينة ملزمة بها، ولا أظن أنه غاب عن نظر المحافظة تمكنها من توجيه العقود لشركات نقل كبرى يتكدس أسطولها بلا حراك نتيجة الحرب الظالمة على سورية،  وتتمنى بشدة إبرام عقود لنقل موظفي القطاعات المهمة، كما أن التحجج بأن هذه العقود تنقل موظفين هم ركاب أيضاً يمكن دحضه بحسبة بسيطة، فالسرفيس الذي يقوم بنقلتين لصالح عقد مع مؤسسة ما يستطيع فعلياً القيام بست نقلات لو كان عاملاً على خط سيره الأصلي، أي أنها تعطل نقل أكثر من تسعين راكباً لصالح نقل خمسة وعشرين على أقصى تقدير، وعندما يكون قرابة /500/ سرفيس من المتعاقدين، فهنا تصبح الأرقام مهولة، وهذا هو الفشل بعينه، أما الخطأ الثاني التي قامت به المحافظة هو التراجع عن قرار إلزام السائقين بتعبئة الوقود من الكراج حصراً حيث تتوفر محطتا وقود (كازيتان) استطاعتا تأمين المطلوب حتى أثناء أزمة شح الوقود، والتي كانت تجبر السائقين على الدخول إلى الكراج، وتساعد على إلزام المتسرب منهم بالعمل وقمع المخالفين، وشكل رادعاً حقيقياً لتجاوز  البعض فما سبب التراجع ولماذا؟ (أحد الوشاة في مبنى المحافظة أخبرنا أن التراجع كان رضوخاً لضغط أصحاب الكازيات الخاصة)، وبغض النظر عما إذا كان الواشي صادقاً أم لا، فالتراجع عن القرار، وعدم تطبيقه ولو بشكل جزئي فاقم المشكلة وزاد الطين بلة.
في هذا التحقيق حاولنا الإضاءة على هذا القطاع  قدر استطاعتنا، وحصر الأسباب على قدر معرفتنا، وتحديد الأخطاء على قدر معاناتنا، وكلنا أمل أن تتم الاستجابة، وحل هذه المعضلة التي أصبحت إحدى أهم مشاكل طرطوس من أصحاب الأمر على قدر ضميرهم.