مما يستلزم الحديث عن ارتفاع أسعار اللحوم بشقيها الحمراء منها أو البيضاء هو تواصل ارتفاعها الجنوني والملحوظ بشكل يومي، والطلب عليها محدود نتيجة عزوف الكثير من المواطنين عن شرائها حتى قبل أن ترتفع أسعارها إلى ما هي عليه الآن، لذا لم يعد خبر ارتفاع أو انخفاض أسعار اللحوم يثير اهتمام المستهلك فأغلب الأسر السورية لم تعد تشتري المادة بالكيلو وإنما بالأوقية، فالكثير من التجار وأصحاب المحلات نتيجة للوضع الاقتصادي الراهن قاموا بزيادة أسعار المادة دون رقيب أو حسيب وهو ما أوصلها إلى ما تشهده اليوم من لهيب أسعار يستمر في التصاعد.

عدم الاستقرار في البيع

وأمام هذا الواقع المزري سنخوض في ملف غلاء أسعار اللحوم كما ونبحث في ظاهرة استفحاله على مستوى المحافظة والأسباب التي أدت إلى الارتفاع الجنوني لأسعار المواشي والدواجن والأسماك علماً أن منشأها محلي وغير مستورد ولا تخضع لسعر الصرف ولهذه الغاية قمنا بجولة تحدثنا فيها مع مجموعة من المواطنين والجهات المعنية حول الواقع العام لما تشهده الأسواق من عشوائية وعدم استقرار لبيع مادة اللحوم الحمراء والبيضاء...

× عامر طويل: أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء أصبحت ضرباً من الخيال والغريب في الأمر أنها أصبحت تكوي جيوبنا فالكثير من الأكلات تحتاج إلى هذه المادة فقد أصبحنا في رحلة بحث دائمة عن كافة المواد المرتفعة الثمن، فهل تدوم تلك المعاناة؟ فالارتفاع الجنوني الذي لمسناه على أرض الواقع يعتبر منافياً للأخلاق وندعو كافة الجهات المعنية التدخل بشكل مباشر والضرب بيد من حديد لقمع ما يشهده السوق من مضاربات وهمية لا تمت إلى الواقع الراهن وتبتعد عن أي مبررات اقتصادية حقيقية.

× يوسف حسن: إن مادة اللحوم البيضاء والحمراء لا تدخل منازلنا، فكيف يمكن لعائلة تتكون من 5 أو 6 أشخاص أن تقوم بشراء اللحوم المرتفعة الثمن في ظل الفوضى السعرية التي تنتشر بشكل ملفت للانتباه حيث ارتفعت أسعار اللحوم بشكل كبير بحجة ارتفاع سعر الصرف داعياً التجار إلى الرفق بالمواطن مؤكداً أن ما زاد الطين بلة أن الحكومة لا تقوم باستيراد اللحوم المجمدة وهو ما فتح المجال للتجار لرفع الأسعار كيفما شاؤوا فأسعارها ترتفع يوماً بعد يوم وهي لا تخضع لأسس وضوابط تجارية فالتهاب أسعارها يتواصل فالدجاج يفوق الـ 1500 ليرة للكيلو غرام وهذه المواد محلية فالفروج ليس مستورداً والأسماك كذلك.

× أحمد طالب: اليوم فُقد شيء اسمه هامش ربح وأصبح التاجر يتقاضى أضعافاً مضاعفة لذلك لابد لآلية البيع والشراء أن تكون حسب المستوى المعيشي للمستهلك، فأنا منذ سنة ونيف لم أقم بشراء اللحوم والسمك فقد أصبحت من الخيال إذ لا أستطيع شرائها لأن سعر الكيلو غرام من الغنم يساوي نصف راتبي وكذلك السمك، وبما أن التاجر يبيع على سعر الصرف فالأسماك محلية وبحرية ولا يدخل بها أي نوع من العملات الأجنبية ولا العربية وتربيته محلية ولا تخضع للاستيراد فهل الفقراء وذوي الدخل المحدود محرومون من هذه المادة نتيجة لأسعارها التي باتت فوق طاقتهم.

تجارة تسمين العجول خاسرة

وانطلاقاً من أهمية هذا الجانب من حياة المواطنين اليومي والغذائي فقد أصبح استهلاك اللحوم يتراجع يوماً بعد يوم وحسب الآراء التي استقصيناها من المستهلكين فإن الأسعار حتى لو اتجهت إلى الانخفاض فإن الكثير منهم عزف ويعزف عن شرائها مما أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية بجميع أنواعها فالمستهلك لم يعد يقبل على شراء أي شيء حتى يصبح ثمنه معقولاً أو مقبولاً ولكي نزيد الأمر وضوحاً تحدثنا مع عبد القادر كعدي أحد مربي الأغنام فقال: إن أسعار المواشي أصبحت اليوم مختلفة تماماً عما كانت عليه خلال السنوات السابقة فسعر الكيلو غرام كان يُباع لسنوات دون زيادة أو نقصان، واليوم المحافظة على السعر باتت خارجة عن نظامنا فإن تجارة تسمين العجول والماعز أصبحت تشكل خسارة كبيرة لكثير من المربين في السوق ويعود السبب إلى الارتفاع الكبير لأسعار الأدوية البيطرية التي أصبحت عائقاً في استمرار دورات تربية المواشي وعدم توافر بعضها في السوق المحلية مما أدى إلى ارتفاع أسعارها لسبب ما أو آخر كما أنه توجد نوعية في الأدوية التي باتت اليوم غير متوفرة في السوق أهمها الدواء الخاص بتسمين المواشي، فإذا أردنا شراء تلك الأدوية من السوق السوداء فإن أسعارها تباع بأضعاف مضاعفة، أما عن ارتفاع أسعار الأعلاف فهذا حديث آخر فالزيادة في أسعارها واضحة إذا قورنت بأسعار الأعوام السابقة والتاجر يبيع الأعلاف بسعر الدولار وهذه أزمة بحد ذاتها نمر بها نحن المربين حالياً، ناهيك عن المجهود والتعب في تربية المواشي وأجور اليد العاملة والنقل التي باتت ترهق المربي ملحقة به خسارة حقيقية لا يمكن تحملها.

ارتفاع سعرها يتأثر بعملية البيع والشراء

× وفيما يتعلق بمحلات بيع اللحوم زرنا أحد محلات تلك اللحوم الحمراء لمعرفة ما يفيدنا به أصحابها فقد تحدث الجزار (أحمد رزوق): انخفض الطلب بشكل كبير على اللحوم الحمراء دون أن يتسبب ذلك في خفض أسعارها فالمواطن اليوم يتعامل معنا بشراء هذه المادة بـالـ 500 -1000ليرة أي بالوقية ونصف الوقية ونحن نقوم بشراء هذه المادة من مربي المواشي بأسعار مرتفعة لذلك نضطر لبيعها هكذا وكبائعين نتمنى ثبات أسعارها لأن ارتفاع سعرها الكبير يتأثر بعملية البيع والشراء.

أما في محلات بيع اللحوم البيضاء فكان الوضع مختلفاً نوعاً ما حيث أسعار الفروج أقل من اللحوم الحمراء ومع هذا كله فهي مرتفعة بالنسبة للمستهلك.

× يقول أبو خلدون صاحب محل فروج: إن الأسعار مرتفعة لكننا مضطرون لشرائها من المداجن من أجل حركة البيع والشراء فهي تفوق طاقة المستهلك ونحن نتمنى حفظ أسعارها لكن تاجر الجملة له مبرراته في ارتفاع أسعار الصرف والأعلاف والدواء ومستلزمات تربية الدواجن وأكد أن هناك ضعف بالقوة الشرائية وتمسك المستهلك بشعار الغالي متروك.

استهلاك كبير في المحروقات والكهرباء

ثم قصدنا أحد مربي الدواجن وليد شاهين وتحدثنا حول ما يشهده السوق من ارتفاع غير ملحوظ ببيع الفروج فقال: إن تربية الدواجن دقيقة جداً وحساسة فهي بحاجة إلى مراقبة دائمة ليلاً ونهاراً ونحن المربين نعاني من ارتفاع الأسعار كما يعاني المستهلك حيث سعر الصوص ارتفع أضعافاً مضاعفة وكذلك سعر العلف قد ارتفع بشكل جنوني والأدوية البيطرية هي الأخرى لاقت مثيلاتها ناهيك عن أجور اليد العاملة التي تتعامل معنا كما أن هناك أجور النقل والكهرباء وخدمات أخرى لذلك لدينا معاناة حقيقية من جراء المصاريف الكثيرة والخسائر التي نتكبدها من نفوق الكثير من الصيصان وخاصة مع انخفاض درجات الحرارة، فكل مدجنة لها شودير أو تدفئة مركزية فهي تبقى تعمل على مدار الساعة طالما درجات الحرارة منخفضة وهذا يدفعنا إلى استهلاك في المحروقات والكهرباء لذلك فإن تكلفة تربية الدواجن مرتفعة جداً إذا ما قورنت بالأرباح.

تهريب المواشي العامل الأساسي في ارتفاع أسعارها

وانطلاقاً من المتابعات الميدانية فإنه ينبغي على الجهات المختصة دراسة أسباب ارتفاع أسعار اللحوم ووضع الحلول المناسبة لتمكين المستهلك من الحصول على حاجته من تلك المادة وبأسعار مناسبة، فمن خلال ذلك توجهنا ما بجعبتنا من أسلة إلى رئيس دائرة الصحة الحيوانية في مديرية زراعة اللاذقية الدكتور أحمد ليلى الذي حدثنا الآتي: إن ارتفاع تكاليف الإنتاج أدى إلى ارتفاع قيمة الذبائح وبالتالي انعكس ذلك على أسعار اللحوم في الأسواق ومستلزمات تربية المواشي وأمام هذا الواقع قل العرض والطلب من قبل المستهلك.

على ذلك، فارتفاع الأدوية البيطرية وأسعار العلف والمحروقات وأجور النقل إلى المحافظات والأيدي العاملة فجميع هذه الأسباب أدت إلى الارتفاع التي تشهده أسواقنا ومحلات بيع اللحوم، ناهيك عن وجود عمليات تهريب المواشي إلى خارج البلاد والمحافظات مما أدى إلى نقص في عددها أو ما شابه ذلك، حيث اجتمعت الكثير من الأسباب التي من شأنها أدت إلى ما نشهده اليوم من أسعار مرتفعة جداً.

ونوه د. ليلى إلى أن أسعار الحليب المتعارف عليه في الأسواق لم يلق رواجاً وميولاً لأصحاب مربي الأبقار فالكثير من المربين قاموا ببيع المواشي الحلوب نظراً لارتفاع أسعارها حيث تقدر بـ مليون ونصف ليرة.

تخفيض 7% ضمن الصالات

ورغبنا أن نتقصى الحقيقة أكثر حول ارتفاع أسعار اللحوم البيضاء (الدجاج) حدثنا باسم حسن مدير عام منشأة دواجن اللاذقية: إن المؤسسة جهة إنتاجية بالنسبة للأسواق حيث تقوم غير صالاتنا الموزعة المنتشرة في المحافظة بتوريد إنتاجنا إليها وبيع المادة بأسعار أقل منها بالسوق المحلية، وبالنسبة لواقع البيع في أسواق ومحلات بيع الفروج فلا علاقة للمؤسسة بتحديد أسعارها ومراقبة آلية عملها وبيعها فنحن ملتزمين بالسعر التمويني بكسر 7% وهذا يعني أنه أقل من السعر التمويني، كما أن هناك الكثير من المداجن الخاصة والمنتجين توقفت عن العمل نتيجة الخسائر المتلاحقة كون سعر المبيع أقل من الكلفة ما أدى إلى وقف الإنتاج وبالتالي قل العرض من السوق فارتفعت الأسعار.

وأكد حسن: نحن كمؤسسة عامة للدواجن مستمرين بالتدخل الإيجابي بطرح كميات عبر صالاتنا للمستهلك فهناك صالات تابعة للمؤسسة إحداها (صالة عبد الرحمن الغافقي) في ساحة السمك القديمة والأخرى في المشروع السابع بالقرب من القسم الشرقي كما يوجد منفذ مباشر للبيع داخل المنشأة على طريق حلب قرية الجريمقية وأفاد عندما تنخفض أسعار التكلفة ومستلزمات الإنتاج تعود المنشآت للإنتاج فيزيد العرض وبالتالي تنخفض الأسعار فكافة مستلزمات الإنتاج والأعلاف هي من الأنواع المستوردة لذلك تتحكم بالأسعار وبالعرض والطلب.

ختاماً

إن ارتفاع أسعار أي سلعة سواء كانت لحوماً أو غيرها كفيل بأن يجعل المستهلك بغض النظر عنه ويتجه لبدائل أخرى أقل كلفة، فهناك أفواه لا تمل من الحديث عن ارتفاع الأسعار لمستويات فلكية، ووفقاً لذلك اتفق كل من تحدثنا معهم من تجار ومستهلكين حول ضرورة تدخل كافة السلطات الرسمية لمعالجة المشكلات التي تعاني منها الأسواق عامة على أن يتم اتخاذ الإجراءات والتدابير الاحترازية لتقليل تكاليف الإنتاج حتى يتمكن الجميع من الحصول على جزء من متطلباته بشكل ميسور.