أن ترتفع سلعة ما ضعف ثمنها الحقيقي فهذا أمر طبيعي في زمن جنون الأسعار وضعف الرقيب، أمّا أن يتقاضى حرفيّ أو مقدّم خدمة ما أجوراً مجنحة سواء لإصلاح عطل كهربائي أو شبكة تصريف صحي أو مطري مروراً بكل الأدوات الكهربائية والمنزلية وغيرها الكثير.

كل ما كتبناه ونكتبه ويتداوله الجميع حول ارتفاع الأسعار يخضع للتأويل والجدال والخلاف أمّا هنا فلا نعتقد أن يختلف اثنان حول تلك الأجور المجنونة التي يتقاضاها مقدّم الخدمة فالجميع يلتقي على حقيقة أنها وصلت لحدّ لا يطاق، وأكثر ما هزّني (رغم أنّي من ضحايا هؤلاء) خبر نقله لي أحدهم بأنّه اضطر للاستعانة بمقدّم الخدمة لفك محرك المياه في منزله (الدينمو) ونقله إلى منزله الجديد فكان من الآخر إلاّ أن يطلب مبلغاً مقداره (10) آلاف ليرة سورية مقابل ذلك.

هذه الواقعة حفزّتني أكثر بمتابعة هذا الموضوع الذي وصل لحدّ الظاهرة والتي ينتظر الجميع منّا أن نفتح ملفها لأننا جميعاً ضحايا ابتزاز لا يخضع لرقيب ولا يستجيب لحسيب.

حتى عمال الترحيل الذين يتجمعون حول محيط ساحة اليمن وينتظرون يومياً بالساعات صاحب الحاجة ليبدؤوا معه رحلة ابتزاز يضطر للخضوع لها في النهاية كونه مجبراً على معالجة تشويه هنا أو ترحيل بقايا هناك أو ما شابه ذلك.

في لقاءاتنا التي أجريناها تدعيماً لما قلناه آنفاً تأفف الجميع وبدؤوا كلامهم بالقول:

هل يعقل أن يكون إصلاح عطل ما في آلة كهربائية أكبر من قيمة شرائها، ومع هؤلاء الضحايا بدأنا نغوص في عمق الظاهرة لنعرض صوراً أو وقائع تستنزف الجيوب وترهق النفوس.

يقول أبو أحمد: أي عطل في أداة كهربائية منزلية يسبب لي ذعراً فإن كنت أضبط مصروف أسرتي وأنهي الشهر بلا دين بشق الأنفس ولكن أي عطل مفاجئ يجبرني على دفع ما أدّخره وأحياناً أجبر على الاستدانة لأوفي أجر التصليح الذي يرتفع مع ارتفاع الدولار حتى لو لم يحتج المصلح لأي أداة ولكن أجرة يده هي التي ترافق الدولار بالتحليق عالياً.

يسرا معروف تقول: عندما ظهر الرشح في سقف غرفة الجلوس لم أجد مفراً من طلاء السقف بالدهان وعندما سألت أحدهم من مزاولي هذا العمل صدمني بطلبه مبلغ مليون ليرة فقررت تقبل وضع منزلي كما هو لعدم قدرتي المادية وعدم قناعتي بهذه الأجرة المجنحة.

حيّان عاصي يقول: كل عطل ولو كان بسيطاً في السيارة يجبرني على دفع مبالغ كبيرة وأنا لا أهرب من الواقع وأعلم أن ارتفاع سعر الدولار أحدث ارتفاعاً كبيراً في أسعار قطع السيارات ولكني ذهلت حين قصدت يوماً لإصلاح فتحت السقف فقام بالضغط عليها بيده وقال لي: أريد ( 2000 ليرة سورية) أجرة عملي ويضيف حيّان:

هناك حالة فلتان والأنكى أن الكل يسعّر على هواه دون رقيب فحتى مغاسل السيارات حلّقت بأسعارها لتصل أجرة غسيل السيارة إلى ( 2000 ليرة سورية).

أم محمد تقول: الأدوات الكهربائية الحديثة الصنع كثيرة الأعطال إضافة إلى أن سوء التقنين الكهربائي وعدم انتظامه يؤثر سلباً عليها فمنذ أيام تعطلت الغسالة وعندما جاء المصلح أخبرني أن أحد جوارب أولادي قد علق فيها وسبب العطل وما كان منه إلا أن قام بنزع الجوارب وكان أجرة لقاء ذلك 6000 ليرة.

أم منهل تقول: تعطّل (الدينمو) في منزلي فقصدت جاراً لي في الحارة يعمل بتصليح محركات المياه ولكن العطل لم يصلح وعندما لجأت لغيره أخبرني بأن الأول قد خرّب المحرك وإنني أحتاج لمحرك جديد علماً بأن سعره لا يقل عن 50 ألف ليرة وتتساءل من يحميني من هذا الغبن أوليس من الإنصاف أن يحضر لي من قام بتخريب المحرك آخر جديداً؟!..

كما أجمع كثيرون على الارتفاع الذي لا يطاق في أسعار صيانة الموبايلات وكافة أشكال التصليح إضافة لجنون أسعار عمال التبليط والصحية وغيرها....

وجه لوجه مع بعض أصحاب الحرف

قيس رسلان (نجار) يقول: كل المواد والأجور ارتفعت أكثر من 20 ضعفاً ورغم ذلك أسمع عبارات التشكيك بالأسعار التي أتقاضاها، ويتساءل ألست مواطناً يشتري مواده بأسعار السوق ناهيك عن المنعكس السلبي على عملي كنجار بسبب عدم استقرار أسعار الخشب وباقي المواد إضافة لتراجع الإقبال على تفصيل الأساس واختيار الأساس المنزلي الجاهز والمصنع من مواد قليلة الجودة كالميلامين كبديل بأقل سعر وأضاف رسلان: أعمل في النجارة وهي مصدر رزقي الوحيد وبسبب حالة الجمود في السوق لا يغطي عملي مصروف الشهر لي ولأسرتي خاصة مع ارتفاع فواتير الكهرباء وحاجتي لاقتناء مولدة كهربائية وهذا يحتاج مصروفاً كبيراً وختم متسائلاً: لماذا الاستهانة بأجرة يد النجار؟ رغم كل ما نبذله من جهد وتعب لنلبي طلب الزبون بالشكل والجودة التي يطلبها ونكلفها له أيضاً.

قاسم أسعد ( دهّان): إنّ ارتفاع أسعار المواد ومستلزمات العمل وعدم استقرارها جعلني أتعامل بحذر ولا سيما وأن التزامي مع الزبون سبب لي خسارة كبيرة فقد يكون الاتفاق على سعر معين ولكن ارتفاع سعر الدولار بشكل سريع ومفاجئ وعدم عودة المواد لسعرها السابق بانخفاض سعر الصرف يؤثر على عملي جداً وأضاف:

أنا أشتري مواد الدهان بسعر السوق والتاجر هو الرابح الوحيد في النهاية فلماذا لا يتم ردعه أو ضبطه بمعايير محددة لتحريك السوق ورفع الغبن عن الدهان والزبون هو الضحية.

رئيس اتحاد الحرفيين باللاذقية (جهاد برو) قال: من الصعب ضبط بدل الخدمات في المهن فهناك الكثير من التفاصيل لا يمكن حصرها بتسعيرة محددة وأضاف: قد نجد نجاراً يصنع باباً بـ 100 ألف وآخر يطلب مليوناً وهنا للخبرة والاسم اللامع والمواد دور كبير في اختلاف السعر وكذلك بالنسبة لعمل الميكانيكي فمهنته فيها الكثير من الأعمال كفك المحرك والدوزان وغيرها ولا يمكن تحديد تسعيرة شاملة لها كلها ولفت برو إلى أهمية وضع تصنفيه لأصحاب المهنة الواحدة بدءاً من درجة أولى حتى الرابعة وبيّن في أنه في حال ورود أي شكوى لحالات غش وتلاعب بالأسعار بحق حرفي منتسب أو غير منتسب نقوم بوضع ضبط ونشكل لجنة تتضمن أعضاء من اتحاد الحرفيين باللاذقية ودائرة حماية المستهلك ويتم حل النزاع إمّا بالصلح (الحل الوديّ) وهو الأمثل غالباً أو نحول الطرفين للقضاء.

وختم حديثه مؤكداً: نحن جاهزون للتعامل مع كل مغبون وقع عليه الغبن من أي مهني في الاتحاد الحرفي ونسعى لتحسين الوضع وضبطه قدر الإمكان.

مدير التجارة الداخلية ( م. إياد جديد): نحن نعتمد على بدل الخدمات الذي يضعه اتحاد الحرفيين وفي حال ورود أي شكوى نشكّل دورية تتضمن خبرة من الاتحاد وعناصر من دائرة حماية المستهلك وفي حال إثبات المخالفة وكان اسم مرتكبها ومحله ورقمه موثقاً فيها يتم حل النزاع إمّا بشكل وديّ أو عن طريق التحويل للقضاء ولكن في بعض الحالات نجد صعوبة في اتخاذ الإجراءات الاعتيادية لضبط حالات الغش والتلاعب بالأسعار كونها صادرة في معظم الأحيان عن أشخاص لا يملكون سجلاً تجارياً ولا محلاً ولا صفة تجارية حتى.

وأبدى رغبته بالاهتمام بأية شكوى وتمنى على المواطنين المبادرة للاتصال فوراً حين التعرض للابتزاز أو الغبن.

إبراهيم عبد الهادي (رئيس دائرة الأسعار) يقول: تقوم لجنة تحديد الأسعار باجتماعات دورية تتألف من عضو المكتب التنفيذي لشؤون التموين ومدير التموين وعضو من اتحاد الحرفيين بالإضافة لرئيس دائرة الأسعار وبيّن عبد الهادي آلية العمل وقال: نتلقى دراسة مبدئية من اتحاد الحرفيين لبدل الخدمات لأصحاب المهن فتجتمع لجنة تحديد الأسعار في المحافظة وبعد المصادقة عليه نرفع مشروع القرار للسيد المحافظ حيث يحدد في القرار بدل الخدمات لمحافظة اللاذقية.

عزيز أحمد رئيس شعبة حماية المستهلك عندما تردنا الشكوى ننظم ضبوطاً ونحوّلها للمحكمة بعد أن نشكل دورية للتأكد من وقوع المخالفة وضبطها وذلك بالتعاون مع خبرة من اتحاد الحرفيين وتصل العقوبة لـ 100 ألف فما فوق أو الحبس أو الاثنين معاً.