ها قد بدأت الحركة والحياة من جديد وجلبة ناس على الطريق, يبدو أنه صحا الجميع من سباته, بعد أن تهجّى الصباح فجر يوم جديد لينشرح صدر السماء لشمسه، فتلقي بوشاح نورها على الأرض ضياء، أول ما قصدنا بعد انحسار تجوالنا هو السوق وساحة الشيخضاهر المكتظة بناس فكت قيودهم وكأنهم جميعاً قرنوا ساعاتهم البيولوجية أو موبايلاتهم على وقت واحد, لم يتغير شيء وكأن اليوم هو الأمس حيث بدؤوا في التزاحم على كل شيء ولا شيء يذكر سوى أنها دوامة الحياة, بعد أن مسحوا وجوههم باسم الرحمن, منهم يبغي وظائفها وآخرون مشاغلها وشطآن يمها ومراسيها, أحذية بمقاسات وألوان هي في ذهاب وإياب, يتخللها وجه طفلة بائسة كوجه هذه الأيام تتوسد صقيع الرصيف ( ربي يعطيك .. بس عشر ليرات ) يا لشقائهم وتعاستهم وبرود قلوبهم, أليس من أحد ينحني ويرمي بيدها بعض الليرات لسد رمق هذا الجسد الضئيل ؟ وكأن بهم صمماً أو أنهم مستعجلون لأمرهم, إذ أنهم تأخروا والوقت يتسلل من بين أصابع ساعات يومهم كما الماء, وهي سرعان ما تغادرهم فيحملون ما بيومهم لغد هو في بطون الغيب والأقدار, ولطالما يتأففون من الأيام والحياة ويعلقون على شماعتها بأن الرزق قليل .

( صح النوم ) معظم المحال التجارية مغلقة, فقط بعض تجار زراعيين صغار يسعون إلى رزقهم في مناكب سوق الريجة وعلى امتداد أرصفتها وعلى( قد )بساط كل منهم يمد رجليه وقدميه, ليتعثر بها ناس ويشترون, حيث أتوا بأطياب زرعهم المضجرة بالتعب وعرق الجبين, وقد بدؤوا تشكيلها بألوان عطرها على صفحة من عدة بلاطات, لتبدو لوحة فنان تجذب إليها الأنظار والأذواق وحتى الفؤاد, إذ تكاد تسمع نبض نسغها وخفق جوفها بما يتألق من نضج ومذاق, يسيل لها اللعاب وتستبيح النظر والإمعان فيها فهي المشتهاة, لكن صبّاراً في الحلق وقلة حيلة في النقد, تحول دون الحصول عليها والنيل من شهدها .

لكن عند أبي أحمد هي عكس ذلك, فالفرح يكسو وجهه وقلبه الدافئ , كيف لا وهو يحمل الجمال والبهاء في خضاره (بقدونس، نعناع، خس، بقلة ) من أحد القرى والمزارع الصغيرة في البهلولية, ليتجمع حوله كثير من الزوار, فهو معروف منذ عشرات السنين, وما إن هممت بالتصوير حتى اقترب منه أحد الشباب ولفه بيده ونادى بي ( صوريني معو ) فضحك أبو أحمد ورد بقوله : هؤلاء جميعهم أصحاب وأحباب, يومياً يقدمون فكل من يمر بجانبه يلقي التحية ويسألونه الصحة والأحوال .

وعلى جانبه أبو سمير يبيع الجوارب واللباس الداخلي التي رماها على الرصيف وبجانبها سلال من القصب بأحجام صغيرة وسعرها لا يتجاوز بضع مئات وهي لا تأتي بتعب ساعات عملها ونسجها كما يقول فهو يحضر القصب من سرائر الحقول وحواف التخوم لينقعها وتصبح لينة بيده ثم يبدأ بقصها كشرائك وخيطان ، ليبدأ بحياكة ثوب وهيئة السلة بلون واحد مخضر يبهج العين ويسر النفس .