ليس أسهل على أي مدير، وفي أي موقع كان، من إسناد ظهره على القوانين النافذة، والأنظمة الداخلية المتبعة، في إدارة المؤسسة المسؤول عنها، وهو في هذه الحالة، يحمي نفسه من أي مساءلة، ويبرر لها أي تقصير، بل ويدعم الـ (C.V) الشخصي، ويصنّف على أنّه (رجل دولة وقانون)...

ما تقدّم من كلام جميل، ولكن في فضاءات الوهم واللامبالاة، في ميادين لا تريد أن تنتج شيئاً، وخلف مكاتب لا تكترث لنزيف الوقت، وقد (يكرج) في القنوات الرسمية، كما تكرج المياه المتحرجة في (سارود) ضيعتنا، ويتحوّل هذا (العملاق الصامت)، أو هذا البطل (الروتيني)، إلى سيّد زمانه، وإلى قدوة على الآخرين ابتاعها ولو بالإكراه...

سؤال بسيط جداً، بل وجداً جداً: لدي ألفا ليتر مازوت، على سبيل المثال، مخصصة لمدة ستة أشهر، ومحسوبة على أساس أن الكهرباء لن تنقطع أكثر من ساعتين خلال ساعات الدوام الرسمي، والمطلوب منّي أن أنجر قدراً من العمل من آلات تستلزم في السعة (20) ليتر مازوت على المولدة، أي أن كمية المازوت ستكفيني أقلّ من شهرين، لكن خطة العمل ممتدة على ستة أشهر، فهل أنفق المازوت في (50) يوماً، وأجلس كلّ يوم لمدّة ساعتين، أتفرّج على الآلات والعمل؟

ماذا أيضاً لو جاء التقنين مرّتين خلال ساعات الدوام، أي أربع ساعات خلال يوم الدوام، وهنا ستكفيني هذه المخصصات شهراً فقط!

أتحدث عن أصغر مشكلة تواجه معظم مؤسساتنا وشركاتنا، فهل عند وضع التقارير السنوية، يشفع لهذا المدير أو ذاك برنامج التقنين الكهربائي، وهل بإمكان أي مؤسسة أن ترمي تقصيرها في إنجاز في خطتها إلى عدم توفّر المازوت، وهل سيكون هذا الكلام مقنعاً؟

الحلول هنا شخصية، وتستند إلى شخصية هذا المدير وفريقه المساعد، فلستُ مجبراً على سبيل المثال أن أتمسّك بالدوام من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثالثة بعد الظهر، إن كانت الكهرباء تنقطع الساعة (8) مثلاً، سأكون مطالباً بإيجاد مخرج لا يتعارض مع القانون ولا مع مصلحة العاملين، وبذات الوقت استفيد من أكبر قدر من ساعات العمل، دون أن أخدش حياء الألفي ليتر مازوت إلا وفق التقنين على التقنين!

لا تقفوا عند هذا المثال، فقط هو مدخل للإشارة إلى أهمية (الإدارة بالموجود)، دون التأثير سلباً على المنتج (مهما كان نوع هذا المنتج)، فالضغط على رغيف الخبز مثلاً لا يبرر لأي فرن أن ينتج رغيف خبز سيئاً، وقلّة القرطاسية لا تبرر لنا أن ننتج مادة إعلامية سيئة وهكذا...

أسوأ ما في منتجات هذه الحرب القذرة على بلدنا، هو أنّها أتاحت للكثيرين المزيد من تبريرات الفشل والتقصير، وباتت شمّاعة تتحمّل كلّ شيء...

ما علاقة الحرب والحصار في جودة العملية التربوية والتعليمية؟ وما علاقتها بـ (عرنوس الذرة)، وما علاقتها بإنتاج كلّ أسرة (الأولاد)، هل لأن أمريكا فرضت علينا (قانون قيصر) تركنا أولادنا في مهبّ الضياع؟

وهل بسبب (داعش وأخواتها)، انقطع الأخ عن أخيه، والابن عن أبيه؟

ما علاقة هذا بالإدارة؟ كل الطرق تؤدي إلى روما... ومن ينجح في إدارة أسرته ينجح في إدارة صندوق النقد الدولي، ومن اعتنق الفشل فسيفشل حتى لو وضعت تحت تصرفه كل إمكانيات ووسائل وأدوات النجاح...

كنوع من (المونولوج)، ورداً على أسئلة نتعرّض لها كثيراً، وتتعلّق بعملنا الإعلامي أقول صادقاً بإذن الله: يُدار الإعلام السوري حالياً بنجاح كبير، وأستطيع (وأنا جزء من منظومته) أن أقول إنه في حالة جيدة جداً وفقاً للإمكانيات المتاحة له، أو المتوفرّة لديه، وكما أسلفت: ليست المشكلة في توفّر الورقة والقلم، ولا في جودة آلات الطباعة، ولا في مبالغ مالية كبيرة أو متواضعة، كلّ هذه الأمور تفاصيل يمكن العمل عليها، المشكلة هي أن يتقاتل ويتخاصم في داخل كلّ إعلامي شخصان، الأول هو ذلك البائس المستسلم لضغوط الحياة، والثاني هو ذلك المؤمن بأهمية دوره، والواثق بأنّه سينتصر في الحرب التي يخوضها على الفساد والعجز والترهّل، أما حلّ المشكلة، فكان وسيبقى في الإنسان ذاته، وليس في أي أدوات مساعدة.

الامتحانات والأسئلة الموجعة

في سياق متصل، وقد طرحنا هذا الرأي أكثر من مرّة، ما ذنب ثلاثة أرباع المواطنين في سورية إن كانت وزارة التربية غير قادرة على ضبط الامتحانات إلا بقطع الاتصالات الخليوية والأنترنت؟

من أعطاها الحقّ بتعطيل كلّ شيء لمدة ثلاث وأربع ساعات، وفي كل قاعة امتحانية من 3-4 مراقبين، وهناك مراقبون على المراقبين؟

والمؤسف أكثر إنهم سيخرجون علينا بتصريحات رنّانة يوجهون فيها الشكر لكوادرهم التي أبلت بلاء حسناً، وسيصرفون لهم مكافآت و...

حريصون مثلكم وأكثر على نجاح امتحانات الشهادتين، ولكن ليس من حق أحد أن يعطّل عمل غيره.. على سبيل المثال، عندما عادت الاتصالات والأنترنت أمس بعد نهاية امتحانات الشهادة الثانوية، جاء دور التقنين الكهربائي، من الساعة (11) صباحاً وحتى (13) بعد الظهر، ونحن في جريدة الوحدة ممن تحاصرهم مخصصات المازوت القليلة، أي أن دوامنا وعملنا بدأ أمس الساعة الواحدة بعد الظهر فتصوروا يا رعاكم الله..

من اتخذ قرار قطع الاتصالات أو وافق عليه، هل هو تفاهم بين وزيري التربية والاتصالات، أم قرار رئاسة مجلس الوزراء، أم جهة أخرى، وما هي الأسس التي اتُبعت، وهل من حقّنا كمواطنين (صالحين بإذن الله) أن نسأل، أم يتوجّب علينا الاعتذار عن حماقتنا؟

لماذا تصرّون على حلّ أي مشكلة بألف مشكلة جديدة؟

لا نحن عملنا، ولا شركات تحويل الأموال عملت، ولا الصرافات الآلية، ولا مراكز خدمة المواطن، وكلّ هذا لأنّ وزارة التربية لا تستطيع ضبط الامتحانات إلا بهذه الطريقة الغريبة، ولن تضبطها، ونعلم كما يعلم غيرنا كيف يتمّ (التنقيل) وكيف تتم مساعدة هذا أمام ناظري ذاك، وكفانا ضحك على أنفسنا...

(هيك بدهم)

المشكلة، أنّ كلّ منّا يعتبر أن مشكلته هي الوحيدة، وعلى كلّ الآخرين أن يقدّروا موقفه، وفي النهاية، قد يكون هذا المعطّل (بكسر الطاه) هو البطل الذي سيتوّج بالميدالية الذهبية، أو ربما هو من سيوزّع الميداليات!

عتبتُ قبل أيام قليلة على رئيس بلدية صديق، شغل كل عمّال بلديته، واستهلك نصف مخزون بئر بلدته من المياه، وهو ينظّف طرقات القرية لأن الوفد الحكومي الذي زار طرطوس واللاذقية قبل أيام، سيزور تلك البلدة، فقال ضاحكاً: (هيك بدهم)!

أتحدّى أي مسؤول أن يزور حيّاً فقيراً بأي مدينة دون إنذار مسبق، ودون أن يرشّوا الماء قبل خطواته، ويرى بعين ضميره أيّ واقع مزرٍ يعيشه هذا الحيّ على مستوى النظافة على الأقلّ..

كلّنا أبطال على الورق، وعلى أرض الواقع يجب أن نُحال جميعاً إلى (محكمة الضمير) لأن ما نعبث به هو وطننا، وطننا الذي ( أتفيّأ ظلّك يا وطني وأحبّ ترابك يا وطني)!

عاود الأنترنت حضوره الميمون عند العاشرة والنصف، أي قبل نصف ساعة من بدء تقنين الكهرباء.. مضطر لوضع نقطة في نهاية هذا المقال، فهناك أشياء أخرى عليّ إنجازها، نلتقي مع المادة التالية من امتحانات البكالوريا، مع أمنيات التوفيق لجميع أبنائنا.