للمرة الأولى تقف سياسة شراء التراب والنفوذ أمام قرار لا يطيقه النظام السعودي، ولم يعتد عليه في صفقاته مع من يرضون سياسة البيع والشراء، وهنا بدت كل تحركات محمد بن سلمان منقوصة الوزن، ولم تقو على جزيرتين لم يأتِ ذكرهما طوال عقود، ولربما هناك قاعدة جغرافية تقول إن الشعوب ترسم الحدود، وهي قاعدة انتصرت في مصر، وباتت أول ما يتعلمه النظام السعودي من الشعب المصري ودوره في تقديم المعونة للشعوب العربية منذ عهد جمال عبد الناصر، لكنه لايزال يستطيع تعليم أنظمة تريد التمدد والتوسع ولو على شبر في صحراء.
فرح المصريين طُرح في الصحف وهزّ مواقع التواصل الاجتماعي وتحول إلى ما يبدو أنه نصر وطني واعتزاز بعلو القرار المصري على المال السعودي، لكن الجميع يبتعد عن ذكر القيادة المصرية هل عقدت صفقة أم ناورت؟!
الهيئة القضائية الأعلى في أرض الكنانة المتمثلة بمجلس الدولة أسقطت اتفاقية رسم الحدود التي منحت جزيرتي صنافير وتيران إلى الرياض، وبالتالي لا حراك لساسة القاهرة في سبيل تقديم طرق تهدئة أو تجاوز القضاء أو تأجيل القرار، لأنه صدر واكتمل، وهناك من يرجح نظرية أن القيادة المصرية هي من أرادت القرار الأخير وأن السلطة في مصر كلٌ لاينفصل عن بعضه بما فيه القضاء، ويرى المراقبون أن سبب التراجع من بوابة القضاء هي المعارضة التي كادت تقول «دي بيعة»  و«الريس باع التراب عشان الفلوس» .. ويمكن القول بحسب المراقبين أيضاً إنه امتحان كانت تريده القيادة لمعرفة إلى أي حد يمكنها أن تنحاز إلى الرياض مقابل المال، لكن هناك من يرى أيضاً أن تعلق القضية بالتراب والوطن وإحساس الشعب المصري العالي  تجاه أرضه هو ما قاد إلى تظاهرات أحرجت القيادة ودفعتها إلى اللجوء للقضاء أن يخلصها فخلصها وكسب صوت الشعب.
في مشهد الرياض لا تعليق حتى اللحظة، ويبدو أن الصدمة كبيرة وثقيلة، فكل ما لهث النظام السعودي لكسبه في نزاعاته الجغرافية أو اعتداءاته بالأحرى على دول جواره ومنها اليمن والكويت والإمارات والأردن، كلها كسبها ضغطاً وقهراً وباتت بالتقادم وكأنها من ممتلكات المملكة، أما في قضية الجزر المصرية فلا بد للرياض من أن تعترف بأن محمد بن سلمان تلقى صفعة، ودون أن نصل لقول بعض «المطبلين والمزمرين»  بأن المصريين «قلبوه أو نفضوه» لكن نستطيع القول إنه خسر خطواته في أرض الكنانة، وخسر أيضاً قسمة الاستعراض الإعلامي الذي جند له الإعلام الخليجي والمصري لبيان ضخامة اللقاء التاريخي للبلدين.
القضاء المصري أجهض أكبر زيارات الشراء السعودية في أكبر الدول العربية بضغط شعبي على الجميع الاعتراف بحجمه وأن «كامب ديفيد» لم تأخذ  من عروبته الكثير كما أخذت السنون من تاريخ هذا البلد.

 

 

 

 

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع