مازالت الوظيفة الحكومية هي الحلم والسقف الذي تقف عنده طموحات الكثير من الشباب، ويرونها العتبة التي تعطيهم الفرصة لتأمين مورد رزق ثابت ما يؤهلهم للدخول في معترك الحياة والزواج وتكوين أسرة.

الشاب إبراهيم يوسف مهندس موظف في مجال الاتصالات قال: إن وظيفة الدولة تؤمن لي راتباً ثابتاً كل آخر شهر، وبعد الزيادات التي طرأت على الرواتب أصبحت أفضل من الأعمال والحرف اليدوية التي تخضع للظروف، ناهيك بالحوافز التي تقدمها وظيفة الدولة، إضافة إلى التأمين الصحي الذي اعتمد مؤخراً بأغلب مؤسسات القطاع العام.
ويضيف: مهما كانت فرصة العمل في القطاع الخاص جيدة ومهما كان الراتب فلا يستطيع منافسة الوظائف الحكومية.
وقال إن العامل في العديد من مؤسسات القطاع الخاص يبقى تحت رحمة مزاجية رب العمل، فعند التوظيف يجبرون العامل على توقيع استقالته والتخلي عن كل حقوقه مسبقاً، كما أن أغلب مؤسسات القطاع الخاص لا يوجد فيها تأمين صحي، كما لا توجد فرصة للعامل في الحصول على القروض.
ويرى آخرون أن الموظف الحكومي عند التقاعد يحصل على تعويض نهاية خدمة، كما يحق له عدد معين من الإجازات السنوية مدفوعة الأجر وهذا لا يتوفر في الخاص وكذلك الموظف يعلم أنه يعمل ضمن جهد معين يتناسب مع طاقته البدنية والعمرية، بينما في القطاع الخاص يعمل ساعات أطول وبجهد أكبر لا يتناسب مع العمر والطاقة البدنية ولا يتناسب مع الراتب الذي يحصل عليه، كما أن عامل الدولة يعمل ضمن نظام مؤسساتي ويتبع سلسلة من الإجراءات القانونية في حال تم الإخلال بالعمل ابتداء بالتنبيه وانتهاء بالعقوبة والإنذار والفصل وهذا ضمن قانون العاملين الأساسي، بينما القطاع الخاص يتبع أسهل طريقة في معالجة المشكلات وهي الطرد.
ويفضل الشاب أحمد رغم امتلاكه قطعة أرض الحصول على وظيفة تؤمن له مردوداً ثابتاً، ويرى أن الزراعة باتت غير مجدية وذات مردود ضعيف تخضع للظروف ولعامل الحظ بالأسعار، كما أن ارتفاع تكاليف أسعار المواد والمستلزمات الزراعية جعلت الكثيرين غير قادرين على تحمل تكاليف الإنتاج ما اضطرهم لهجرة أراضيهم، أضف إلى ذلك عدم توافر المياه ومشكلات التسويق… وغيرها.
أما زينب ديب خريجة أدب عربي وتبحث منذ سنوات عن فرصة عمل فترى الوظيفة الحكومية هي الأكثر ضماناً للمستقبل، وليس لدى معظم الشباب رأس مال والبنوك لا تمنح قروضاً ميسرة لفتح مشاريع خاصة لذلك ليس أمامها إلا البحث عن وظيفة في الدولة.
بينما ترى انتصار أن بعض الشباب يلجؤون إلى الاستسهال أو بعبارة أصح «التنبلة» في العمل فهناك من لديه أراض زراعية وفرص أخرى تحتاج مزيداً من الجهد والتعب وتمكنهم من الحصول على مردود مادي أفضل، لكنهم يفضلون الوظيفة والجلوس وراء المكاتب لأنهم يرون فيها بريستيجاً ومستوىً اجتماعياً أفضل.
مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في اللاذقية بشار دندش قال: نرى من خلال التجربة أن الكثير من الشباب الذين لديهم عمل وبراتب جيد في القطاع الخاص مستعدون لترك هذا العمل عند الإعلان عن وظائف الدولة ولو برواتب أقل بكثير، لأنهم يرون فيها الأمان والديمومة، فأغلب عقود القطاع الخاص عقود عمل سنوية أو 6 أشهر أو موسمية.
وأضاف أن عدد المتقدمين المسجلين في مكتب التشغيل منذ تأسيسه 262089 شخصاً وهذا الرقم يعطي صورة عن عدد الناس المتقدمين للحصول على وظيفة في الجهات العامة ولكنه لا يمثل عدد العاطلين عن العمل في المحافظة، مشيراً إلى أن عدد المعينين حتى الآن وصل إلى 26076 شخصاً.
ولم نستطع الحصول على أرقام حقيقية لعدد العاملين في القطاع الخاص.
يرى الدكتور يوسف محمود أستاذ الاقتصاد في جامعة تشرين أن الطلب على العمل بالقطاع الخاص في الساحل السوري قليل بسبب ندرة المشاريع الاستثمارية والخدمية الضخمة الخاصة والتي تكاد تعد على أصابع اليد، لذلك يتجه الشباب في الساحل إلى المدن الكبيرة دمشق، حلب، حمص أي المراكز الصناعية.
هناك أعداد كبيرة من الكفاءات العلمية وخريجي المعاهد والجامعات في الساحل الذين لا يجدون ملاذاً آمناً للعمل لذلك يتجهون لوظائف الدولة رغم مردوديتها المحدودة، ولذلك الحل هو بمزيد من الاهتمام بموضوع التخطيط الإقليمي في الساحل وإنشاء المزيد من المشاريع الاستثمارية والخدمية التي تؤمن المزيد من فرص العمل للشباب.
ويرى الدكتور محمود أن الملكيات الزراعية في الساحل صغيرة ولا تجدي نفعاً أمام سياسات التسويق المتبعة، لذلك أغلبية المزارعين يتعرضون لخسائر كبيرة ما يدفعهم لترك القطاع الزراعي والتوجه إلى المدينة ولوظائف الدولة وهنا لا بد للدولة من إيلاء الاهتمام بالقطاع الزراعي واعتبار بعض المحاصيل الزراعية استراتيجية كالحمضيات والزيتون والبيوت البلاستيكية.
وأشار إلى أن العمل في القطاع الخاص ما زال لا يتمتع بالأصول القانونية التي تحفظ للعامل حقه بالتأمينات الاجتماعية والرواتب وغيرها، لذلك الكثير من أصحاب المشاريع والشركات يتهربون من تسجيل عمالهم في التأمينات الاجتماعية ليصبحوا عرضة للابتزاز، وهنا لا بد للدولة من التأكيد على هذه الشركات والمشاريع اتباع الأصول القانونية من خلال الشفافية والحوكمة التي تحفظ للعمال حقوقهم أثناء العمل وبعده وفيما إذا تعرضوا لإصابات العمل.
ويرى الزميل الصحفي الاقتصادي علي جديد: تبقى الحكومة هي الأب والأم والحضن الحنون وهي فعلاً راقية جداً بالتعامل مع العامل وتلتزم بشكل حقيقي وجاد وكامل بالحفاظ على حقوقه، ففي الأحداث الأخيرة الكثير من مؤسسات القطاع الخاص انهارت وتخلت عن عمالها، بينما الدولة التزمت بحقوق عمالها رغم كل الظروف.