في مقال مطول نشرته أمس، ركزت صحيفة «الغارديان» البريطانية على ما اعتبرته بداية تحول لافت في الرأي الرسمي الغربي تجاه القضية الفلسطينية على خلفية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة واصفة هذا العدوان بأنه ليس جريمة إسرائيلية فقط بل جريمة أمريكية- بريطانية أيضاً بفعل الدعم المستمر سياسياً وعسكرياً والذي تقدمه كل من واشنطن ولندن لـ«إسرائيل».

وتقول «الغارديان» في مقالها المعنون بـ«الرعب في غزة هو جريمة صنعتها بلا ضمير واشنطن ولندن مع إسرائيل» : يبدو أن الاشمئزاز العالمي من المذبحة المروعة التي ارتكبتها «إسرائيل» أثناء هجومها على غزة مؤخراً أخرجت الألسنة من أفواه بعض الشخصيات السياسية الغربية، ولعل استقالة سعيدة وارسي أول وزير خزانة - مسلم الديانة- في بريطانيا هي احتجاج واضح على أعمال «إسرائيل» اللا أخلاقية، أما الاحتجاج الآخر فجاء من نايك كليغ، نائب رئيس الوزراء البريطاني الذي طالب بوقف تراخيص تصدير الأسلحة إلى «إسرائيل».

وتشير إلى أن إد ميليباند رئيس حزب العمال البريطاني أدان مؤخراً العدوان الإسرائيلي والصمت الدولي تجاه قتل الفلسطينيين الأبرياء، كما «أدانت» الإدارة الأمريكية القصف المشين للمدرسة التابعة لـ«أونروا»، واصفة معاناة الفلسطينيين بالمفجعة.. وكأن أوباما لا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال ما يحدث. تضيف «الغارديان» ساخرة.

الأهم من ذلك: هل وقْفُ إطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد يتحول إلى صفقة طويلة الأمد ومقدمة لخطوات أخرى لا تخدم إلا مصلحة «إسرائيل»، ربما تبدو أكثر أمناً في الوقت الحالي لاتخاذ موقف معين مستقبلاً؟، لكن الوحشية التي انطوى عليها العدوان الإسرائيلي على أهل غزة والتي أودت بحياة ما يزيد على 1875 فلسطينياً لا يزال مقدمة لحرب تسعى فيها «إسرائيل» لتقديم نفسها على أنها «الضحية التي تسعى لحفظ أمنها».. وإزاء كل ذلك تقف الحكومات الغربية بوقاحة إلى جانب المستعمر الغاشم.

وتضيف الصحيفة البريطانية: رغم أن الأغلبية العظمى من الضحايا الفلسطينيين هم من المدنيين حيث يزيد عدد القتلى من الأطفال تحديداً على 430 طفلاً، لا يزال الغرب ينظر إلى الفلسطينيين على أنهم «من يمثل الإرهاب»، بدلاً من إدانة «إسرائيل» وأفعالها المشينة مع كل ما تستخدمه من معدات عسكرية متطورة وفتاكة، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار ميزان القوى لكلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.. فمن الضروري النظر في لحظة ما إلى ما ستكون عليه ردة الفعل إذا كانت المعادلة معكوسة.

ما لا شك فيه أن التحشيد الإعلامي يعتبر الميزان والمقياس الرئيسي لانتهاك حرمة الغرب وإثارة شهيته لتأييد الأعمال العدوانية على العرب، وذلك من خلال اللعب على وتر غاية في الأهمية وهو تجاهل تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، الذي يمكن أن يتم تصويره على أنه نتيجة لبعض الكراهية العرقية المتجذرة.

وتضيف «الغارديان»: ينبغي الاستفادة من دروس الحرب العالمية الأولى، ولاسيما أن الأحداث الأخيرة تتزامن مع الذكرى المئوية لاندلاعها، ورغم ادعاء ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا بـ «أن اندلاع الحرب كان من أجل الحرية»، إلا أن الواقع يثبت أن ثقافة الذبح صناعة وحشية ارتكبتها عصابة من القوى الاستعمارية لتقسيم الأراضي والأسواق والموارد.

وترى الصحيفة البريطانية أنه وبعيداً عن الديمقراطية أو حماية حقوق الدول الصغيرة أنهت بريطانيا وفرنسا الحرب العالمية الأولى بتقسيم تركة الإمبراطوريات الألمانية والعثمانية بينهما من العراق إلى فلسطين، والأهم من ذلك مضى قرن كامل والعالم لا يزال يعيش على عواقب حرب «يُحتفل» بذكراها السنوية.

وتختم «الغارديان»: هكذا بدأت «إسرائيل» بأهدافها الاستعمارية الواسعة النطاق واضعة نصب عينيها أن أهدافها لن تتحقق إلا في ظل الحكم الاستعماري الذي سيؤدي في وقت لاحق إلى قيام «دولة إسرائيل» وتشريد أو طرد أغلبية الشعب الفلسطيني.

لقد شنت «إسرائيل» سابقاً عدواناً واسعاً على لبنان في عام 1982 واحتلت الجنوب ولا تزال تحتل بصورة غير شرعية أراضي سورية ولبنانية.. والتبرير هو نفسه دائماً: «يجب التمسك بأمن المحتل ضد المقاومة من قبل سكان المناطق المحتلة والمحاصرة»، يسهم في تعنتها هذا ما تلقاه من دعم الحكومات الغربية والولايات المتحدة الأمريكية في المقام الأول سواء عسكرياً أو مادياً أو معنوياً.

ويبقى السؤال:هل تحول الرأي العام العالمي بشكل حاسم لمصلحة العدالة للفلسطينيين؟، وهل ما هو مطلوب في هذه المرحلة هو تحويل تلك الاحتجاجات المنددة بسياسة «إسرائيل» إلى وسيلة للضغط بلا هوادة من أجل وضع حد للدعم الذي يقدمه الغرب لها؟.

وتختم «الغارديان»: إن الرعب في غزة هو جريمة صنعتها ـ بلا ضمير ـ واشنطن ولندن مع «إسرائيل».

 

 

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع