تكمن أهميةُ البحوث الاجتماعية الميدانية الواقعية والافتراضية، كإحدى أدوات علم الاجتماع المنهجية، في التعرف على الظواهر المجتمعية ومنها: استجابات الناس إزاء الأزمات والتهديدات الكبرى التي تواجه البلدان والمجتمعات، سواء أكانت ذات طبيعة إنسانية (اقتصادية – سياسية – اجتماعية) أم ذات منشأ حيوي وبيولوجيّ، كما هو الحال مع فيروس كورونا المستجد والمعروف علمياً باسم COVID-19. وفي محاولة لالتقاط الفرصة الملازمة لحدث كورونا، صمم مركز دمشق للأبحاث والدراسات (مداد ) استبياناً إلكترونياً من إعداد الدكتور كريم أبو حلاوة والأستاذة جانيت عروق و يهدف إلى التعرّف على اتجاهات وآراء السوريين وكيفيات تفاعلهم مع الفيروس، وتأثيره في أنماط عيشهم وتفكيرهم والسلوكيات الفردية والجمعية التي ميّزت تعاطيهم مع المشكلة، وصولاً للتأثيرات والتبعات النفسية والمعيشية التي ألقت بظلالها على حياتهم، فضلاً عن معرفة مصادر معلوماتهم الطبية ودرجة تمثّلهم والتزامهم بإجراءات وقواعد التباعد الاجتماعي والحظر، وصولاً إلى درجة تقيدهم بقواعد النظافة والتعقيم وتجربتهم مع واقعة الحجر المنزلي وتغير نمط الحياة العادي والمألوف، وآرائهم وانطباعاتهم أخيراً في ما يتعلق بضرورة التعاون الدولي لمواجهة مثل هذه الجوائح والمخاطر وتصورهم للعالم ما بعد كورونا.

وبين المركز أنه تم اختيار الاستبيان الإلكتروني كوسيلة لجمع البيانات والحصول على المعلومات اللازمة نظراً لخصائصه الإيجابية ومنها اختصار الوقت والتكلفة والجهد، فضلاً عن إتاحته لكل الناس الراغبين في المشاركة، مع معرفته المسبقة بنقاط ضعفه وعيوبه مقارنةً مع البحث الميداني الواقعي الذي يتطلبُ فرقَ جمعِ بياناتٍ مدرّبة، ووقتاً ونفقاتٍ أعلى، إلا أنه يتيح إمكانية اختيار مفردات العينة بصورة أكثر تمثيلية للمجتمع الأصلي. وعليه، تتوضح معاني ودلالات رصد استجابة السوريين لوباء كورونا المستجد ومخاطره، ذلك لأن الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية التي اتخذتها الحكومة، وعلى أهميتها كانت ستبقى محدودة التأثير ما لم تلقَ استجابةً وتفاعلاً في تطبيقها من قبل الناس. فالوعي بخطورة الفيروس والتعامل معه بجدّية من قبل أفراد المجتمع بمبادرات فردية أو جمعية يصبح ضرورة لمحاصرة المرض والتهديد وهو الكفيل بالحيلولة دون انتشاره.

واعتمد البحث المنهج الوصفي في التعرف على استجابات السوريين لوباء كورونا ومخاطره وذلك باستخدام الاستبيان الإلكتروني، حيث تمّ جمع وتحليل معلومات عينة بلغت (1022) مفردة شملت المحافظات السورية كافة، وقد استمرت عملية جمع البيانات من 30-4-2020 وحتى 8-5-2020.

الخصائص العامة لعينة الدراسة

الجنس: توزعت عينة الدراسة بحسب متغيّر الجنس إلى 54.4% ذكور، مقابل 45.6% إناث.

العمر: كانت النسبة الأعلى –بحسب متغيّر العمر– للفئة العمرية (18-27) سنة، وبلغت 32.8%، تليها الفئة العمرية (28-37) سنة بنسبة 26.2%، ثم الفئة العمرية (38-47) سنة بنسبة 20.4%، فالفئة العمرية (48-57) سنة بنسبة 14.3%، وأخيراً جاءت الفئة العمرية من 57 سنة فأكثر بنسبة لم تتجاوز 6.3% فقط.

المستوى التعليمي: كانت النسبة الأكبر –بحسب المستوى التعليميّ– للحاصلين على شهادة جامعية أو شهادة دبلوم، إذ وصلت نسبتهم إلى 52.3% من العينة، تليها نسبةُ الحاصلين على شهادة ثانوية أو معهد متوسط 22.6% من العينة، ثم الحاصلين على شهادة ماجستير أو دكتوراه بنسبة 16.2% من العينة، فالحاصلين على شهادة ابتدائية أو إعدادية بنسبة 7.9% من العينة، ثم الملمين والقادرين أخيراً على القراءة والكتابة (غير حاصل على أية شهادة علمية) بنسبة لم تتجاوز 1% فقط من العينة.

الحالة الاجتماعية: كانت النسبة الأعلى للعازبين 49.5%، ثم للمتزوجين بنسبة 47.7%، ثم المنفصلين والمطلقين والأرامل أخيراً بنسبة لم تتجاوز 2.8% فقط.

المحافظة: توزعت عينة الدراسة على المحافظات السورية كلها وبالترتيب، فقد جاءت نسب توزعها : دمشق 28.1%، حمص 22.4%، اللاذقية 12.1%، ريف دمشق 9%، والحسكة 6%، حماه 5.9%، طرطوس 5.3%، حلب 5.1%، السويداء 3.4%، درعا 1%، إدلب 0.8%، القنيطرة 0.4%، الرقة 0.4%، وأخيراً دير الزور 0.2%.

مكان الإقامة الحالي: توزعت عينة الدراسة بحسب مكان الإقامة إلى 73.8% للمقيمين في المدينة، مقابل 26.2% للمقيمين في الريف.

الحالة المهنية: تنوعت مهن أفراد العينة، إذ بلغت نسبة العاملين بوظيفة إدارية 20.1%، والطلبة 16.8%، والمهندسين 10.3%، والمعلمين 8.1%، والأساتذة في الجامعة 5%، والأطباء 4.3%، والأعمال الحرة 3.6%، والعاملين بأجر يومي 3%، وربّات المنازل والتجار 2.3% لكل منهما، والإعلاميين والمحامين 1.7% لكل منهما، والمتقاعدين 1.5%، والفلاحين/المزارعين 0.6%، لا يعمل 10.2%، ومهن أخرى 8.7%.

وعن توزع أفراد العينة بحسب المشاركة بالسكن، كانت الغالبية العظمى من العينة 87.6% تقيم مع أب أو أم أو إخوة أو أطفال أو أصحاب في السكن، مقابل نسبة 12.4% لا يقيم معهم أب أو أم أو أطفال أو أصحاب.

نتائج الاستبيان

أسباب انتشار فيروس كورونا

تعدّدت الآراء في الأسباب المؤدية إلى انتشار وباء كورونا، إذ ترى النسبة الأعلى من عينة الدراسة 35.2% أن الوباء نتج عن طفرة فيروسية بشكل طبيعي، ويتفق بذلك ممثلو هذه النسبة مع الرأي العلمي لهذه الأزمة الصحية العالمية، ويرجح أكثر من ثلث مُمَثِّلي العينة نظرية المؤامرة حول انتشار الفيروس، إذ يرى 21.3% منهم أنّها حرب بيولوجية بين الدول المتنافسة على الهيمنة على العالم، ونسبة 12.7% منهم ترى أنها حربٌ اقتصادية بين الدول المتنافسة اقتصادياً، في حين ترى نسبة 11.2% أن الفيروس تسرب عن طريق الخطأ من مراكز أبحاث بيولوجية، ، ويوجد ممثِّلون للعينة يبلغون نسبة 5.7% يعزون السبب إلى عادات وتقاليد بعض الشعوب في تناول أنواع من المأكولات آخذين بالتفسير الثقافي الأنثربولوجي لانتشار الوباء، بينما ترى نسبة 1.7% من العينة فقط أنه لا وجود لفيروس كورونا إنما هو تهويل فحسب، ما يشير إلى استخفاف هذه النسبة القليلة بأخطار الوباء، كما يرى 4.9% أن هناك أسباباً أخرى لانتشار الوباء غير ما ذكر.

المصدر الأساس المعتمد في الحصول على المعلومات المتعلقة بالوباء

بيّنت نتائج الدراسة أن أكثر من نصف العينة 55.2% يستقي معلوماته عن الوباء من المواقع الإلكترونية المتخصصة في المجال الطبي (كمنظمة الصحة العالمية، والمجلات الطبية، ومراكز الأبحاث، والجامعات الطبية، وغيرها)، تليها نسبة 24% تعتمد على وسائل الإعلام المحلي في الحصول على المعلومات، ونسبة 7% من العينة تلجأ إلى وسائل الإعلام الأجنبي، في حين لم تتجاوز نسبة من يعتمدون على المواقع الإلكترونية غير المتخصصة بالمجال الطبي 6.9% فقط من العينة، ونسبة مماثلة 6.9% من العينة تعتمد وسائل أخرى في الحصول على المعلومات. وقد تعود أسباب ارتفاع نسبة الاعتماد على المواقع الإلكترونية المتخصصة في المجال الطبي إلى ارتفاع المستوى التعليميّ في عينة الدراسة، وإلى رغبة هذه الفئة في الاستزادة حول الموضوعات المتعلقة بالوباء، إضافة لما تتصف به هذه المواقع من موثوقية ودقة وسرعة وغزارة في المعلومات والدراسات المتعلقة بالوباء.

التعامل مع الوباء ومخاطره

تمت معرفة كيفيّة تعاطي السوريين مع الوباء ومخاطره، ومدى التزامهم بالإجراءات الاحترازية المُوصَى بها لتجنب الإصابة بالمرض ومنع انتشاره، على أساس توجُّه الاستبيان بعدد من الأسئلة حول بعض السلوكيات المتعلقة بالاهتمام بالنظافة الشخصية والتعقيم، والالتزام بالتباعد المكاني، والحجر المنزلي، والاهتمام بالصحة وتقوية الجهاز المناعي. وقد بينت نتائج الدراسة تفاوتاً في استجابات العينة تجاه تلك الإجراءات وفق الآتي: أظهرت نتائج الدراسة أن النسبة الأكبر من العينة 61.1% تتجنب إلى حد ما الخروج من المنزل والحضور في أماكن التجمعات خوفاً من الإصابة بالفيروس، تليها نسبة 34.1% تتجنب ذلك إلى درجة كبيرة، في حين لم تتجاوز نسبة الممثِّلين ممن لم يتجنبوا أبداً أماكن التجمعات 4.8% فقط من العينة.

تأثير الوباء في الحالة النفسية

يُلاحظ من ظهور حالات الإصابة بفيروس كورونا ومتابعة تطورات انتشاره في سورية وحول العالم، وما تبعها من قرارات وإجراءات احترازية أنّه قد أصبحَ الشعور بالضغط النفسي أمراً متوقعاً، وعن ردود فعل عينة الدراسة حيال ذلك، وما تداعيات الوباء على حالتهم النفسية أظهرت نتائج الدراسة أن النسبة الأكبر من عينة الدراسة 47.6% شعرت بالخوف من الإصابة بالفيروس إلى حد ما، تليها وبدرجة قريبة منها نسبة 42.3% من المشمولين في العينة لم ينتابهم الخوف أبداً من الإصابة بالفيروس، في حين أبدى ما نسبته 10.1% فقط من ممثِّلي العينة أنهم شعروا بالخوف إلى درجة كبيرة من الإصابة بالفيروس. ويمكن تفسير هذه النتيجة بارتفاع نسبة فئة الشباب في عينة الدراسة، وهم أكثر الفئات العمرية التي يمكنها التعافي من المرض والنجاة من الموت، إضافة إلى قلة أعداد المرضى بالفيروس المسجلين في سورية.

النشاطات أثناء الحجر المنزلي

شكل الحجر المنزلي تجربة جديدة لم يختبرها أفراد المجتمع السوري حتى في أشد ظروف الحرب ضراوة، وكما كل التجارب الجديدة في الحياة تختلف طرق التعايش مع الحجر ومقاربته من شخص إلى آخر، إذ يرى فيه بعضهم سجناً وتقييداً ، في حين يجد فيه آخرون فرصة لإعادة هندسة السلوك الاجتماعي والأسري والمهني، وطريقة التفاعل والتواصل مع الاخرين.

ولمعرفة كيف تعايش السوريون مع الحجر المنزلي توجّه الاستبيان بعدد من الأسئلة عن النشاطات التي استثمر فيها أفراد المجتمع وقتهم أثناء الحجر المنزلي، ومقاربتهم لهذه التجربة. وبالنسبة للنشاطات أظهرت نتائج الدراسة تنوعاً في ألوان النشاطات التي مارسها أفراد عينة الدراسة أثناء الحجر المنزلي، إذ تبيّن أنَّ أكثر من نصف العينة 52.8% اتجه قليلاً إلى القراءة والكتابة، تلي ذلك نسبة 29% اتجهت كثيراً إلى القراءة والكتابة، في حين إن نسبة 18.2% فقط من العينة لم تُعنَ بالقراءة والكتابة أثناء الحجر المنزلي.

تجربة الحجر المنزلي

يلاحظ فيما يتعلّق بتوصيف عينة الدراسة لتجربة الحجر المنزلي ومقاربتها، أنّه قد أظهرت نتائج الدراسة ارتفاع نسبة المستفيدين من فرصة الحجر المنزلي في القيام بالأعمال المتراكمة عليهم، إذ بيّنت النسبة الأكبر من عينة الدراسة 57.6% أن الحجر المنزلي شكَّلَ لمُمثِّليها فرصة –إلى حد ما– للقيام بالأعمال المتراكمة سابقاً، تليها نسبة 25.1% من العينة شكّل شكل الحجر المنزلي لمُمَثِّليها فرصة إلى درجة كبيرة للقيام بالأعمال المتراكمة، في حين لم يشكل الحظر المنزلي فرصة أبداً للقيام بالأعمال المتراكمة لنسبة 17.3% من العينة.

آراء ومواقف السوريين تجاه الحدث الفيروسي

اقتضت محاولة تحديد ملامح الرأي العام السوري واتجاهاته تجاه حدث كورونا أن استطلعَ الاستبيان آراء عينة الدراسة في مجموعة من القضايا والموضوعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية المحلية والعالمية التي أثارها الوباء الفيروسي, وقد بيّنت نتائج الدراسة توافقاً في الرأي لدى غالبية العينة تجاه الكثير من القضايا والموضوعات المطروحة.

وأظهرت نتائج الدراسة موافقة حذرةً لعينة الدراسة تجاه تطبيق المناعة المجتمعية في التصدي للجائحة، حيث وافقت –إلى حدٍّ ما– النسبة الأكبر من العينة 45.7% على اعتماد فكرة المناعة المجتمعية ,وانخفضت هذه النسبة إلى 34.3% من ممثِّلي العينة ممن لم يوافقوا أبداً على الفكرة، في حين انخفضت نسبة الموافقين إلى درجة كبيرة على اتباع المناعة المجتمعية إلى 20% فقط من العينة. ويشير ذلك إلى رغبة أكثرية مُمَثِّلي العينة في العودة إلى الحياة الطبيعة رغم توجسهم من هذه الفكرة، وقد يعود ذلك إلى ما سببته الإجراءات الاحترازية المتخذة لمواجهة خطر انتشار المرض من ضغط ماديّ ونفسيّ على أفراد المجتمع، مع وجود مخاوف من عواقب رفع القيود المفروضة للحفاظ على الاقتصاد واستمرار عجلة الإنتاج، إذ بات واضحاً للجميع أن هذا لا يعني إطلاقاً انخفاض معدل الخطورة، رغم أن الفيروس في سورية لا يزال في المرحلة الآمنة.

في التعامل مع الوباء ومخاطره

تتجنب النسبة الأكبر من العينة الخروج من المنزل والحضور في أماكن التجمعات خوفاً من الإصابة بالفيروس 61.1% من العينة إلى حد ما، ونسبة 34.1% إلى درجة كبيرة. ويقوم أكثر من نصف ممثِّلي العينة 52% –إلى حدٍّ ما– بغسل أيديهم أو تعقيمها باستمرار داخل المنزل وخارجه، ونسبة 47.1% إلى درجة كبيرة. وقد قام نحو نصف ممثِّلي العينة 49.3% –إلى حد ما– بشراء مستلزمات المنزل بكميات كبيرة، ونسبة 5.9% إلى درجة كبيرة. وامتنعَ أكثر من نصف ممثِّلي عينة الدراسة 56.4% –إلى درجة كبيرة– عن المشاركة في المناسبات الاجتماعية، ونسبة 31.6% إلى حد ما.

ويعتذر أكثر من نصف ممثِّلي العينة 51.8% –إلى حدٍّ ما– عن استقبال (أهل، أصدقاء، غرباء) في المنزل، و26% من ممثِّلي العينة لا يعتذرون أبداً عن استقبال آخرين. وتحافظ أكثرية العينة –إلى حدٍّ ما– على تعقيم المنزل 55.2%، ونسبة 41.5% إلى درجة كبيرة. كما يبحث أكثر من نصف ممثِّلي العينة 54.1% –إلى حدٍّ ما– عن معلومات جديدة عن المرض وطرق انتشاره، ونسبة 27.3% إلى درجة كبيرة. يقوم نحو نصف ممثِّلي العينة 49.2% بتقديم النصح –إلى حدٍّ ما– لمن يهمهم أمرهم باتباع الإرشادات الوقائية حتى لا يصيبهم المرض، ونسبة 42.6% إلى درجة كبيرة. والتزمت الغالبية العظمى من العينة 70.9% إلى درجة كبيرة بالحجر المنزلي بالأوقات المحددة له، ونسبة 26% إلى حد ما. ولجأت أكثرية العينة 47.2% إلى الإكثار إلى حدٍّ ما من أداء الدعاء لرد البلاء، ونسبة 22% إلى درجة كبيرة. وتتابع نسبة 47% من العينة باهتمام أخبار الوباء في مناطقها إلى درجة كبيرة، ونسبة 43.8%، إلى حدٍّ ما. زادت أكثرية عينة الدراسة 62.9% –إلى حدٍّ ما– من تناول الأغذية الصحية التي تعزز المناعة، ونسبة 26.8% إلى درجة كبيرة.

في التأثير النفسي للوباء

بيّن ما نسبته 12.7% من ممثِّلي العينة أنهم لم يغيروا أبداً من سلوكياتهم اليومية التي كانت قبل كورونا، ، ولم يغيّر أكثر من نصف ممثِّلي العينة 50.2% –إلى حدٍّ ما– من سلوكياتهم اليومية. وشعرت النسبة الأكبر من عينة الدراسة 47.6% بالخوف –إلى حدٍّ ما– من الإصابة بالفيروس، ونسبة 42.3% من ممثِّلي العينة لم يخافوا أبداً من الإصابة بالفيروس. وشعرَ نصف ممثِّلي العينة تقريباً 49.5% بالخوف –إلى حد ما– من زيادة عدد المصابين بالمرض، ونسبة 29% إلى درجة كبيرة. ولا تتوجّس الغالبية العظمى من العينة أبداً من الموت بالفيروس 65.3%، تليها نسبة بلغت 29.3% من العينة تتوجس –إلى حدٍّ ما– من الموت بالفيروس.

وأبدى أكثر من نصف ممثِّلي العينة 51.6% قلقهم –إلى حدٍّ ما– حيال سرعة انتشار المرض، ونسبة 28.3% إلى درجة كبيرة. وتشعر نسبة تصل إلى أكثر من نصف ممثَّلي عينة الدراسة 55.1% بالخوف إلى درجة كبيرة من فقدان أحد أفراد أسرتها بسبب المرض، ونسبة 29.8% تشعر بالخوف، إلى حد ما. كما ينتابُ القلقُ النسبةَ الأعلى من العينة 43.8% إلى درجة كبيرة من فقدان الأقارب والأصدقاء، ونسبة 39.5% إلى حد ما. وانقسمت عينة الدراسة حول مستوى شعورها بالقلق من فكرة العجز عن تأمين منفسة لها عند الحاجة إليها، وبيّن نسبة 35.4% من ممثَّلي العينة أنهم لا يشعرون بالقلق أبداً، و33.4% من ممثِّلي العينة يشعرون بالقلق إلى حد ما، ونسبة 31.2% من العينة إلى درجة كبيرة. وتشعر النسبة الأعلى من العينة 45.5% بالخوف –إلى حدٍّ ما– من عدم القدرة على تأمين الاحتياجات اليومية مع دوام الحجر، ونسبة 25.2% إلى درجة كبيرة.

وتثير إلى درجة كبيرة فكرة الحجر الصحي في المراكز الصحية الرعب لدى 39.3% من العينة، و –إلى حد ما– لدى 35.9% من العينة. ولا تشعر النسبة الأعلى من العينة 41.4% بالوحدة أبداً، مقابل نسبة 22.1% تشعر بالوحدة إلى درجة كبيرة. ويشعر 40.4% من العاملين من عينة الدراسة–إلى حد ما– بالقلق والتوتر تجاه وضعهم المهني، ونسبة 26.1% تشعر بالقلق أو التوتر إلى درجة كبيرة. كما يشعر 41.9% من الطلبة الذين يتابعون تحصيلهم العلميّ في العينة بالقلق والتوتر إلى درجة كبيرة تجاه وضعهم التعليمي، ونسبة 40.2% ينتابهم الشعور بالقلق والتوتر، إلى حدّ ما.

في نشاطات الحجر المنزلي

اتجهت كثيراً إلى القراءة والكتابة أثناء الحجر المنزلي نسبة 29% من العينة. ولجأت النسبة الأكبر من عينة الدراسة 57.6% قليلاً إلى الترفيه عن النفس بمتابعة النكات والطرائف أثناء الحجر المنزلي، ونسبة 22% كثيراً. وتوجّه نحو نصف عينة الدراسة تقريباً 49.4% إلى مشاهدة الأفلام والمسلسلات أثناء الحجر المنزليّ، وتوجّهت إلى ذلك على نحوٍ زائد نسبة 38.3%. وتواصلت كثيراً النسبة الأكبر من عينة الدراسة 52.5% (عبر وسائل التواصل الاجتماعي) مع الأهل والمعارف والأصدقاء.واستثمر أكثرُ من نصف ممثِّلي عينة الدراسة 52.7% أوقاتاً قليلة من الحجر في تطوير مهاراتهم والتعلم الذاتي، واستثمرت نسبة 31.6% أوقاتاً كثيرة. كما تابعت كثيراً العمل من المنزل أثناء الحجر المنزلي نسبة 26.8% من العاملين في العينة، مقابل نسبة 36.1% منهم لم تتابع عملها أبداً.

وبلغت نسبة الذين يتابعون كثيراً دراستهم أثناء الحجر المنزلي 23.6% من الطلاب (في المراحل التعليمية المختلفة) في العينة، ونسبة 44% من ممثِّلي العينة يتابعون قليلاً دراستهم. ومارس أكثر من نصف العينة 55.5% الرياضة قليلاً أثناء الحجر المنزلي. واتجهت النسبة الأعلى من العينة 43.1% إلى ممارسة ألعاب مسلية (ألعاب عبر الشبكة، ألعاب الفيديو، الشطرنج، الورق، وغيرها) قليلاً. وشكل الحجر المنزلي للنسبة الأكبر من عينة الدراسة 57.6% فرصة –إلى حدٍّ ما– للقيام بالأعمال المتراكمة سابقاً، وإلى درجة كبيرة لدى نسبة إلى 25.1% من العينة.

وأسهم الحجر المنزلي –إلى حدٍّ ما– في إصلاح علاقة أكثر من نصف العينة 53.4% مع أفراد أسرهم مقارنة بما قبل الحظر، وإلى درجة كبيرة لما نسبته 19.8% من العينة. كما أظهر الحجر للنسبة الأكبر من العينة 50.3% –إلى حدٍّ ما– قيمة الآخرين في حياتهم، وإلى درجة كبيرة لما نسبتهم 31.8% من العينة. ولم يتسبب الحجر المنزلي في الشعور بالضجر والاكتئاب لما نسبته 29.5% من العينة، في حين تسبب بالضجر والاكتئاب إلى درجة كبيرة لنسبة 24.9% من العينة. ووجد أكثر من نصف ممثِّلي العينة 50.5% في الحجر المنزلي فرصة –إلى حدٍّ ما– لإعادة التفكير بتجربتهم الحياتية (أهدافهم، أولوياتهم، علاقاتهم، وغيرها)، وإلى درجة كبيرة لنسبة 31.2% من العينة. وقد وفّر الحجر المنزلي فرصة –إلى حدٍّ ما– للتمتع بالهدوء والابتعاد عن صخب الحياة المعتاد للنسبة الأكبر من عينة الدراسة 44.4%، وإلى درجة كبيرة لما نسبته 39.5% من العينة.

في الآراء والمواقف تجاه الحدث الفيروسي

أظهرت عينة الدراسة موافقة حذرةً تجاه تطبيق المناعة المجتمعية في التصدي للجائحة، إذ وافق إلى حد ما على الفكرة ما نسبته 45.7% من العينة، في حين لم يوافق أبداً ما نسبته 34.3% من العينة. وترى الغالبية العظمى من عينة الدراسة 71.6% أهمية التضامن الدولي وتجاوز الخلافات والصراعات والمنافسات لمواجهة الوباء إلى درجة كبيرة. وترى الغالبية العظمى من عينة الدراسة 64.7% ضرورة تغيير النظم الصحية للدول إلى درجة كبيرة. كماتجد الغالبية العظمى من عينة الدراسة 66.7% أن الحجر المنزلي ضروري لمنع انتشار الفيروس إلى درجة كبيرة.و النسبة الأكبر من العينة 45.4% ترى أن وسائل الإعلام المحلي أدت دورها بنجاح إلى درجة كبيرة في نشر التوعية بمخاطر الوباء وطرق الوقاية منه. ترى النسبة الأكبر من عينة الدراسة 45.2% أن مواقع التواصل الاجتماعي أثرت سلباً في الناس، وتسببت في ازدياد الخوف والهلع لديهم إلى درجة كبيرة.

في الدروس والخبرات المستفادة

ترى النسبة الأكبر من العينة 58.3% أن حكومات العالم تمتعت بالشفافية إلى حد ما في الإعلام عن المعلومات المتعلقة بالوباء، في حين ترى نسبة 25.4% من العينة أن الحكومات لم تتمتع بالشفافية أبداً في الإعلام عن هذه المعلومات, ترى النسبة الأكبر من العينة 55.9% أن الحجر المنزلي فاقم –إلى حد ما– من المشكلات الأسرية، ونسبة 19.3% من العينة إلى درجة كبيرة. وترى الغالبية العظمى من عينة الدراسة 68.2% أنه ينبغي إعطاء قيمة أكبر لمهنة الطب مقابل مهن أخرى فنية ورياضية إلى درجة كبيرة. وترى 82.4% أنه ينبغي وإلى درجة كبيرة إعادة النظر في سياسات الحماية الاجتماعية للفئات الهشة في المجتمع: الأطفال، المسنون، النساء، المعوقون، الأسر الأكثر فقراً.

وتجد الغالبية العظمى من عينة الدراسة 92.2% أن الإبلاغ عن الحالات المشتبه بإصابتها بالمرض واجب إلى درجة كبيرة. كما يرى أكثر من نصف العينة 52.5% أن الوباء أسهم إلى درجة كبيرة في رفع مستوى الثقافة الصحية عند عدد كبير من الناس. وتجد النسبة الأكبر من العينة 56.6% أنه مازال هناك أشخاص يستخفون بالوباء إلى درجة كبيرة ولا يكترثون بوجوده حتى الآن.

­ وتُعَدُّ الوصمة الاجتماعية المرتبطة بوباء كورونا سلوكاً غير مبرر إلى حد ما لدى النسبة الأكبر من العينة 54.3%.

في مستقبل العالم ما بعد كورونا

بين الاستبيان أن الوباء الحالي لن يسهم في تغيير السياسة العالمية السائدة بحسب رأي 36.2% من العينة. ويتوقع ما نسبته 35.5% من العينة الانتقال من العولمة التي تتمحور حول الولايات المتحدة إلى عولمة تتمحور حول الصين. وتتوقع الغالبية العظمى من العينة 77.2% زيادة الاعتماد على المعاملات الإلكترونية ما بعد كورونا. وسيزداد الاهتمام بقضايا البيئة بعد كورونا برأي الغالبية العظمى من العينة 74.5%. وستظهر ثقافة الخوف (استمرار الخوف من الآخر مهما كان قريباً) وتبقى بعض الوقت بعد انتهاء الوباء برأي الغالبية العظمى من العينة 67.3%.

خلاصات ختامية

أشارت نتائج الدراسة على الصعيد الاجتماعي إلى أهمية الأسرة في حياة أفراد المجتمع السوري، وإلى بقاء العلاقات الأسرية والعائلية الحميمة كبنية أساسية في تركيبة الأسرة السورية، والوعي الجمعي الذي يعود إلى أسباب دينية أو اجتماعية. كما نبّهت الدراسة إلى أهمية إصلاح العلاقات الأسرية المتصدّعة كون الأسرة الملاذ الأول والأخير الآمن للأفراد. كما أشارت إلى أهمية التضامن الأسري والمجتمعي وإلى ضرورة التكافل المجتمعي لتجاوز الأزمات. وهنا يكون تغيير السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وإعادةُ النظر في الضمان الاجتماعي والصحي لشرائح السكان وفئاتهم المختلفة، ولا سيما الفئات الهشة منه، أمراً لازماً لا بد منه لضمان الأمن الاجتماعي والإنساني لأفراد المجتمع السوري.

أشارت نتائج الدراسة إلى الاهتمام الكبير بالعلم وبأهمية النهوض به وبإيلاء البحث العلمي ما يلزم من الاهتمام والرعاية من قبل الفواعل السياسية والاجتماعية المعنية، لكونهما الآليتين البشريتين الأساسيتين في مواجهة الأزمات التي تجابه الإنسان في المجالات كافّةً، لا سيما الصحية منها. ناهيك بدورهما في حل المشكلات وتطور المجتمعات ومنعتها وقوتها في المواقف المختلفة.

وعلى الصعيد الصحي والطبي، أشارت الدراسة إلى أهمية الصحة في حياة الأفراد كأولوية وقبل أي شيء آخر، ونبّهت إلى أهمية النهوض بالقطاع الصحي وضرورة عدم إخضاعه لقوانين السوق، وإلى ضرورة تغيير السياسات الصحية والعلاجية، وإلى الاهتمام بمهنة الطب والإعلاء من قيمتها، والحيلولة دون هجرة الأطباء والكفاءات من جميع الاختصاصات، إذ إنَّ البلد بأمس الحاجة لكوادره المدربة وموارده البشرية الكفوءة للنهوض به من الواقع المأزوم الذي يعيشه منذ الحرب عليه، كما نبّهت إلى أهمية الاعتماد على الكفاءات والموارد الذاتية والاكتفاء الذاتي.

كما أشارت الدراسة إلى أهمية الوعي الصحي وضرورة العمل على تعزيز هذا الوعي وسلوكياته المتعددة،و لا سيما المتعلقة بالنظافة والعناية بالصحّة بكل الوسائل الممكنة وتوفير كل ما يلزم للحفاظ على سلامة أفراد المجتمع، وأمنهم الصحي والغذائي.

إن العناية بالبيئة والحفاظ عليها مسؤولية مشتركة للحكومات والأفراد، ما يشير إلى ضرورة تفعيل سياسات وآليات الحفاظ على البيئة ونظافتها وسنّ القوانين والتشريعات ذات الصلة ومراقبة تنفيذها، وعدم التهاون أو الاستهتار بالبيئة في جميع الأوقات.

ويبقى تأمين الوضع المعيشي هاجساً لدى أفراد المجتمع السوري، كما أنَّ الأسعار والعجز عن ضبط الأسواق، والتجار والمتلاعبين في قوت الناس أكثر ما يؤرق السوريين ويجعلهم في حالة من عدم الشعور بالأمان، ما يستلزم العمل على إيجاد الآليات المناسبة ووضع الحلول لهذه المشكلات التي تحولت إلى أزمات حقيقية في حياة السوريين أقلقت راحتهم ووضعت الكثير منهم في حالة العجز عن تأمين مستلزمات معيشتهم بشكل لائق.

أخيراً، ينبّه البحث الراهن إلى ضرورة إيلاء الأبحاث الاجتماعية المزيد من العناية والاهتمام لأنها سبيلنا لمعرفة أعمق وأدق بظواهر ومشكلات مجتمعنا، وخصوصاً أن المعرفة قد تحولت إلى واحدة من أبرز مظاهر القوة في عالم اليوم.