قصة كل عام.. زاد الإنتاج عن الحاجة فخسر الفلاحون وأعرضوا عن الزراعة في الموسم التالي فارتفعت الأسعار.. قصة تتكرر مع المنتجين منذ الأزل من دون العمل على حسمها أو معالجتها.

في العام الماضي قلع المنتجون الثوم لأن سعر مبيعه وصل إلى 15 ليرة وتكاليف تسويقه كانت أعلى من تركه في الأرض، وفي العام التالي أعرض الفلاحون عن الزراعة فعاد السعر ليرتفع كل يوم كما البورصة.

يقول الخبير التنموي أكرم عفيف: إن زراعة الثوم مكلفة وخسائر الفلاحين كانت كبيرة وطريقة تسويقه غير منصفة، لأنه حتى عندما ترتفع الأسعار ليس الفلاح من يستفيد منها، وإنما الحلقات الأخرى، فعندما اشترته الناس بنحو 6 آلاف ليرة، لم يكن هذا السعر من نصيب المنتجين، بل عند شراء البذار اشتروه بالسعر المرتفع وكلفهم مبالغ كبيرة.

يعتقد عفيف أن الكرة في ملعب مؤسسات التدخل الإيجابي التي يمكنها أن تحل الأزمة، لكن تأخرها عن القيام بدورها المطلوب منها خلق خللاً حقيقياً بين المنتج والمستهلك، والأمثلة كثيرة على هذا الواقع، يقول عفيف: إنه اشترى “فلينة” من «الزهرة» بمبلغ لم يتجاوز الـ1000 ليرة تستوعب 20 كيلو، أي إن سعر الكيلو لا يتجاوز الـ50 ليرة فقط، وبرغم إنه أقل من التكلفة إلا أن المستهلك يشتريها بأعلى من هذا السعر، فلماذا لا تقوم مؤسسات التدخل الإيجابي بشراء هذا المنتج مباشرة من المنتج، ومن ثم تبيعه للمستهلك بأسعار مناسبة للجهتين؟ لأن ضرب المنتجين لمادة الزهرة هذا العام سيعني أنهم لن يزرعوها في العام القادم، كما حصل مع مادة الثوم عندما وصل سعر الكيلو إلى 15 ليرة في العام الماضي، وكانت النتيجة أن سعره تجاوز الألفي ليرة هذا العام كما توقعنا.

أضاف عفيف: إنه قبل تحريم الحديث عن الدولار، كان حديث الناس اليومي يتابع حركته (صعد الدولار وهبط)، والحقيقة أنه عندما يكون هناك منتج محلي منافس لا يعد سعر الدولار مهماً، فعندما كان سعر الدولار بين 300- 500 ليرة، كانت البطاطا المصرية أو الإيرانية أو السعودية تدخل الأسواق السورية بسعر منافس للمنتج المحلي، ولكن بعدما ارتفع سعر الدولار أصبح بإمكان المنتج المحلي أن ينافس في السعر المحلي، وأصبح بالإمكان منافسة الإنتاج في الدول المجاورة، عند تصديرها، فيمكن لمؤسسات التجارة الداخلية أن تشتري كيلو البطاطا من المنتج بسعر لا يتجاوز الـ150 ليرة، وتبيعها في الصالات بضعف القيمة، ويمكن خلال دورة إنتاج البطاطا البالغة 3 أشهر إنتاج نحو مليون طن بطاطا من زراعة مساحة 25 ألف هكتار تستجرها «السورية» من الفلاحين وتغرق في تصديرها الأسواق المجاورة أو الدول الصديقة، ولكن في البداية يجب أن يضمن الفلاح أن «السورية» ستستجر إنتاجه.

نستورد ونحن المنتجون!

يقول عفيف: إنه من المؤسف بالموضوع أننا نستورد جزءاً كبيراً من طعامنا من الصين، والمفارقة أن الصين ليست من الدول التي تملك الموارد، والدليل أنواع الطعام التي يستهلكونها سواء من الحشرات أو الطيور، بينما في سورية هناك بحر من الموارد التي تتعرض للتدمير الممنهج، فهل من المعقول أن يصبح كيلو لحم الضأن بسعر 12 ألف ليرة، وكيلو الحليب بسعر 350 ليرة؟ والمفارقة أن المنتج والمستهلك خاسران؟ ولو إن المنتج رابح لكانت الأسواق أكثر استقراراً لأن الإنتاج سيستمر، فالمعادلة العامة أنه عندما يربح المنتج يخسر المستهلك، لكن في سورية الأمر مختلف، إذ إن المنتج والمستهلك خاسران! فليس من مصلحة المستهلك أن يخسر المنتج، ويبيع مثلاً كيلو الزهرة بـ20 ليرة، والثوم بنحو 15 ليرة، فهذا سينتج عنه ارتفاع في الأسعار خلال العام التالي بعد الإحجام عن الزراعة، ولكل هذا يعتقد عفيف أن المشكلة في عدم وجود إدارة موارد ذكية، والأهم برأيه هي في الشراكة بين الفاسد والمسؤول، التي ينتج عنها تدمير المنتجين لمصلحة بعض التجار والمستوردين، فالمسؤول الفاسد شريك التاجر وتالياً لا مصلحة لهما في تشجيع المنتج الوطني، ومن الأمثلة الواضحة قصة تسعير التبغ مثلاً، فالتبغ مثلاً سلعة دولارية مستوردة ومصدرة، فهل يعقل أن يسجل سعره على الورق مبلغ 1800 ليرة، بينما تم استجراره من المنتج بسعر يتراوح بين 600- 1300 ليرة، حتى بعدما وصل سعر الدولار إلى ألف ليرة؟!.

كمن (يشلع أظافره)

يضيف عفيف: في العام الماضي وصل سعر كيلو البرتقال إلى 25 ليرة، وأصبحت الناس تقلع أشجار البرتقال بيديها و(تشلع) شقاء عمرها كمن يخلع (أظافره)! وبالمقابل وصل سعر الكيلو في مؤسسات التجارة الداخلية إلى 850 ليرة، فهل هذا الفارق مقبول من مؤسسات دولة؟ كذلك الحال مع إنتاج التين الذي يسقط (تحت أمه) من دون أن يجد من يستثمره، ويصل للمستهلك في دمشق بسعر لا يقل عن 600-700 ليرة للكيلو، والحال ذاته مع إنتاج مادة البامية حيث باع المنتج الكيلو بأقل من 100 ليرة، وهذا السعر يقل عن تكلفة القطاف فقط، ومع ذلك لم يشترها المستهلك بأقل من 800 ليرة!.

مطلوب من القطاع الخاص

رئيس اتحاد غرف الزراعة – محمد كشتو يعتقد أن هنالك دوراً يجب أن تقوم به «السورية» للتجارة إضافة إلى القطاع الخاص من حيث تخزين المواد في ذروة الموسم لتجنيب المنتج الخسائر وليعاد طرحها عندما تقل المادة، ولكنه يرى أن الجهتين لا تقومان بهذه المهمة كما ينبغي، فالقطاع الخاص يملك وحدات التبريد والمبردات، لكنه لا يقوم بهذه المبادرة لأنه لم يعتد على القيام بأدوار اجتماعية وغير ربحية دائماً، مع إن القيام بهذا المشروع سيحقق لهم الأرباح، ولكن خشية أي خسائر يحجمون عن هذا الدور. ويرى كشتو أن المشكلة في الدخل المنخفض الذي يجعل من أسعار أغلب الخضار مرتفعة على أغلب المستهلكين حتى لو انخفضت الأسعار لما دون التكلفة، وقال كشتو:إن المنتج يجب ألّا يخسر لكي لا يحجم عن الزراعة ومن ثم يتعب المستهلك في العام التالي، وعن إمكانية حل تلك المشكلة الأزلية في خسارة المستهلك والمنتج معاً أكد كشتو أن هذا الأمر ليس جديداً، ولكن يمكن القول إن الوضع العام أصبح أصعب، والخيارات ضمن المتاح، ولكن ليس من المنطقي أن يبيع الفلاح كيلو البندورة بمبلغ مئة ليرة مثلاً ويشتريه المستهلك من منطقة مثل الشيخ سعد مثلاً بنحو 350 ليرة!.

لا تصلح للتخزين

مدير«السورية» للتجارة – أحمد نجم ميّز بين نوعين من الشراء بقصد التخزين وهو شراء بقصد إنقاذ موسم عندها يصبح على «السورية» شراء المحصول مهما كانت مواصفاته ولكن هذا قرار لا يتم اتخاذه من قبل المؤسسة، بينما تتدخل فيه جهات عدة، لأنه يكون على المؤسسة أن تستجر المنتج مهما كانت مواصفاته، وأكد أنهم جاهزون عندما يطلب منهم ذلك.

والنوع الثاني عندما تستجر المؤسسة لتعيد طرح المنتج في الأسواق فهذا يحتاج إلى مواصفات وشروط أقلها أن يكون ناضجاً ويمكن تخزينة لكي لا تقوم المؤسسة بإتلافه بعد أيام على تخزينه وهذا برأيه ينطبق على البطاطا الحالية والثوم الذي تم قلعه قبل أن ينضج تماماً.

وأكد نجم أنه سيتم استجرار كميات من البطاطا خلال الأيام العشرة القادمة ليعاد طرحها في الشهر التاسع عندما تنخفض الكميات.