تجسد معركة ميسلون ارتباط الجندي العربي السوري بأرضه واستعداده لتقديم روحه و دمه في سبيل حرية وطنه و عزته وكرامته كما توثق إرادة الجندي السوري و إصراره على دحر المعتدي ورد الغازي مهما تعاظمت قوته وتطورت أسلحته.

ويشير الدكتور محمود السيد نائب مدير المخابر و قارئ النقوش الكتابية القديمة مسمارية، أبجدية، هيروغليفية في المديرية العامة للآثار والمتاحف إلى أنه في الفترة الواقعة بين عام 1915 و عام 1916 جرت مفاوضات سرية فرنسية- بريطانيا- روسية قيصرية انتهت بعقد اتفاقية تنص على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا و بريطانيا بعد هزيمة الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى دعيت "سايكس بيكو" نسبة للدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس اللذين وقعا الاتفاقية التي نصت على حصول فرنسا على سورية ولبنان ومنطقة الموصل في العراق مقابل حصول بريطانيا على طرف بلاد الشام الجنوبي و بغداد و البصرة و جميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي و المنطقة الفرنسية في سورية.

كما نصت الاتفاقية على بقاء فلسطين تحت إدارة دولية بإشراف فرنسا و بريطانيا و روسيا ومنح بريطانيا حرية استخدام ميناءي حيفا وعكا ومنح فرنسا إمكانية استخدام ميناء حيفا مقابل منح فرنسا لبريطانيا إمكانية استخدام ميناء الاسكندرونة.

ولفت المؤرخ السوري الى أنه في 10 حزيران عام 1916 أعلنت الثورة الكبرى ضد الاحتلال العثماني و مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 دخلت القوات العربية بقيادة فيصل بن الحسين إلى دمشق و خرج الاحتلال العثماني من سورية في منتصف تشرين الثاني عام 1918 م.

وفي 25 كانون الثاني عام 1919 عقد المؤتمر الوطني السوري وأعلن استقلال سورية بحدودها الطبيعية في 8 اذار عام 1920 م وعين فيصل ملكا على البلاد لكن فرنسا و بريطانية رفضتا استقلال سورية و في 25 نيسان عام 1920 عقد في إيطاليا مؤتمر "سان ريمو للسلام" وقرر فيه الحلفاء استقلال سورية تحت الانتداب الفرنسي.

وبين السيد أنه بموجب اتفاقية "سايكس بيكو" ومقررات مؤتمر "سان ريمو" بدأت فرنسا تحضر لاحتلال سورية فوجه الجنرال غورو الفرنسي بعد وصول قواته إلى الساحل السوري إنذارا للملك فيصل يطالبه فيه بحل الجيش العربي و تسليم السلطة الفرنسية السكك الحديدية و قبول تداول الورق النقدي الفرنسي في سورية.

وتابع قام الملك فيصل بحل الجيش العربي خضوعا لتهديد غورو رغم معارضة وزير الدفاع السوري يوسف العظمة لافتا إلى أنه مع تقدم الجيش الفرنسي و انفضاض الجيش العربي تم تشكيل جيش أهلي من المتطوعين للدفاع عن سورية بقيادة يوسف العظمة ضم حوالي 3000 جندي مسلحين ببنادق فقط اشتبكوا مع الجيش الفرنسي المؤلف من أكثر من تسعة آلاف مقاتل و المسلح بالرشاشات والطائرات و الدبابات و المدافع الثقيلة في صباح يوم 24 تموز عام 1920 و بعد عدة ساعات انتهت المعركة غير المتكافئة لصالح الجيش الفرنسي واستشهد وزير الدفاع السوري يوسف العظمة وثمانمئة مجاهد وطني سوري ودفنَ في مقبرة الشهداء في ميسلون التي تبعد 28 كيلو مترا شمال غرب دمشق.

وأشار السيد إلى أن غورو دخل دمشق في 25 تموز عام 1920 م و زار قبر صلاح الدين محرر بيت المقدس من أيدي الصليبيين وقال في شماته "ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين" ما يؤكد أن الاحتلال الفرنسي لسورية كان امتدادا للحروب الصليبية ولكن بأسلحة نارية فتاكة.

وبعد دخول غورو دمشق استقالت وزارة هاشم الأتاسي و نقل الملك فيصل مقره من دمشق إلى منطقة الكسوة وشكل وزارة جديدة برئاسة علاء الدين الدروبي و في 27 تموز عام 1920 أعلن غورو الأحكام العرفية في البلاد و أنذر الملك فيصل و طالبه بمغادرة سورية فغادرها في 29 تموز عائدا إلى لندن ووقعت سورية تحت الاحتلال الفرنسي.

وقال السيد إن معركة ميسلون والبطولة التي أظهرها جيش المتطوعين السوريين في مواجهة القوات الفرنسية المتفوقة عدة وعددا كانت إنذارا للقوات الفرنسية بحجم المقاومة الوطنية التي ستلاقيها في سورية و بحجم الخسائر البشرية والمادية التي سوف تتكبدها علي يد شعب سوري محب لوطنه حريص على استقلاله ووحدة أراضيه وحرية اتخاذ قراره السياسي والسيادي شعب يملك إرادة وطنية مقاومة لا تنكسر في وجه الاستعمار الأجنبي.

وأوضح انه في عام 1921 تمكن الفرنسيون من دخول مدينة حلب وفي 23 آب 1925 قامت الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي واستمرت حتى عام 1927.

وأضاف إن فرنسا سلمت عام 1937كيليكية و قسما من الجزيرة العليا لواء الإسكندرونة إلى تركيا لتحرم سورية من حدودها الشمالية الطبيعية و في عام 1941 نجح الجنرال الفرنسي ديغول المتحالف مع الانكليز في إخراج قوات حكومة فيشي الفرنسية الموالية لألمانية النازية و أعلن استقلال سورية و انتخب شكري القوتلي رئيسا عام 1943.

وتابع.. إنه في 29 و30 أيار 1945 قامت فرنسا بالعدوان على السوريين وقصفوا دمشق و قلعتها فاندلعت أعمال المقاومة في جميع أنحاء سورية في الشمال و الجنوب و الشرق و الغرب وهزم السوريون القوات الفرنسية في حوران و جبل العرب و حماة و دير الزور و حلب و اللاذقية وأضاف.. انه في 8 تموز 1945 سلمت فرنسا جميع الثكنات العسكرية إلى الحكومة السورية كما نقل الفرنسيون في 27 تموز عام 1945 مسوءولية الإشراف على القطاعات العسكرية الخاصة إلى الحكومة السورية و كان الأول من شهر أب عام 1945 تاريخ ميلاد الجيش الوطني السوري و في 17 نيسان عام 1946 خرج آخر جندي فرنسي من أرض سورية.

المصدر- سانا

أضف تعليق


كود امني
تحديث