نظرت الفلسفة الوضعية إلى أن المفاهيم والأفكار الميتافيزيقية كانت السبب المباشر للفوضى التي سادت بعد الثورة الفرنسية والتي مست الحياة الاجتماعية والسياسية في أوروبا وتجلت في تباين وتضارب المواقف وغياب معيار مشترك يمكنه أن يقارب بينها وهذا ما دعا أوغست كونت إلى اعتبار أن المخرج الوحيد من تلك الأزمة هو تحكيم العلم بدلاً من الفلسفة، بمعنى أنه كان هناك نوع من التماثل بين وضعية أوغست كونت والوضعيات المعاصرة آنذاك ومنها الذرية المنطقية من حيث الشروط التي أدت إلى ظهور فلسفات جديدة بالرغم من الاختلافات التي يتلخص بعضها في الانتقادات التي تم توجيهها من قبل الوضعيات المعاصرة ضد كونت والمتمثلة أساساً في افتقار النسق الوضعي التقليدي إلى الموضوعية التي كان يدعي الالتزام بها وعدم توظيفه للمنطق، على أن المبررات التي اعتمدتها الذرية المنطقية لم تكن كافية لاعتماد التحليل المنطقي كبديل للفلسفة أو تحويل هذه الأخيرة إلى هذا المنهج لأن نتيجة ذلك كان الخلط بين القضايا الفلسفية والقضايا المنطقية..

وإذا كان التحليـل المنطقي كان قـد حقق إنجازاً عظيماً في دراسة أسس الرياضيات وفي إعادة النظام والنسقية للمعرفة العلمية فهذا لا يعني أنه بالضبط المنهج المنـاسب لشتى المعارف كيفما كانت طبيعتها أو أنه يمكن أن يؤدي نفس الدور بالنسـبة لأي موضـوع أو حقل من حقول المعرفة، وبالرغم من أن بعض الرواد قد جعلوا من هذا المنهج نهاية للفلسفة فإنه قد مثل على العكس من ذلك إعادة بعث للمشروع الفلسفي انطلاقاً من منظور جديد.

المصدر : تشرين

أضف تعليق


كود امني
تحديث

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع