يعود بناؤه إلى عام 1737، ويعد"بيت جبري"واحدا من أعرق البيوت الدمشقية التراثية وأكثرها جمالا، عندما تدخل البيت عن طريق "الخونة" لا بد أن تحني رأسك لتجد نفسك في دهليز معتم، تصدمك في نهايته، الباحة المشرقة بالضوء الصارخ، وأشجار الليمون والنارنج والياسمين والفل الدمشقي والورد الجوري البلدي وزهرة الخبيزة ونبتة الشمشيرة، وقبل هذا كله البحيرة الدافقة في وسط صحن الدار "أرض الديار" تشاهد بعدها جمال العمارة الدمشقية التي تعبق برائحة الماضي العريق.

تقول الكاتبة الدكتورة ناديا خوست: "في المدينة القديمة بيوت واسعة لا تستطيع أسرة معاصرة صغيرة الاعتناء بها، ولا يمكن أن تتعايش فيها اليوم أغصان عائلة تنوعت أمزجتها وأذواقها وثقافتها، ولا يتفق ورثتها الكثيرون على ترميمها وتوظيفها، لذلك تجدها مستسلمة للقدر، وقد يفيد منها القيّمون عليها، فيفككونها لتتبدد ثروة وطنية ويحرم منها بلدها ومن هذه البيوت بيت جبري".

قصة البيت بدأت مع بداية حلم صاحبها "رائد جبري" صاحب المشروع والمشوار الطويل الذي سعى من خلاله إلى إعادة الحياة لهذا البيت الدمشقي العريق، يقول: "عاشت عائلتي بهذا البيت منذ عام 1905م وحتى عام 1977م، بعد أن اضطروا إلى هجر البيت لعدم تمكنهم منخدمته وتنظيفه، وذلك لتقدمهم في السن، فطوته السنون ، وأخذ يتصدع وتنهار أجزاؤه، ولم يتفق ورثته الكثيرون على ترميمه وتوظيفه وأنا بتلك الفترة كنت شاباً صغيراً، لا تسمح الإمكانيات أن أفعل شيئاً، فكان الحزن والألم لا يفارقاني على هذا البيت الذي أحببته لدرجة العشق، لأن طفولتي ظلت معلقة على أغصان أشجاره وعلى نوافذه وعلى الياسمين، وبدأ الحلم يرافقني، بين يدي ثروة أثرية فنية لا أدري ما أفعل بها، أردت أن أفتح أبوابه للعامة ليتمتعوا به. فاجأتني فكرة تحويله إلى مطعم للحصول على المورد، لأتمكن من ترميمه، كثرة الورثة الذين تفرقوا في القارات اضطرني إلى السعي بينهم لإقناعهم بهذا المشروع،بدأت الترميم ببطء، نفضت عن البيت غبار الهجر، فاستقبلت أصدقائي لأمول الترميم، ، لذلك تناقل الأصدقاء العنوان ليستمتعوا بنافورة الماء وهمس المساء، فقدمت لهم حواضر البيت لأن الأطعمة أيضاً جزء من الحضارة.

أهل الحي والجوار استغربوا الحركة الغريبة بالمكان، فأخذ عقلهم يفكر بأشياء غريبة عجيبة، أشخاص غرباء عن الحي يقرعون الباب المغبر، يفتح لهم فيدخلون، وظن الجوار أن ما بداخل البيت شيء ما يحصل مخل بالآداب الشرقية، فاشتكوا للمحافظة، فتم إغلاقه لعدة مرات بالشمع الأحمر حتى اشتهر المكان فوضحت الرؤية لهم،أردت أن أوظف المكان لشيء من الثقافة أيضاً، فهناك قاعة مخصصة للمعارض الفنية، وهناك ندوات ثقافية وأمسيات شعرية وموسيقية ومستقبلاً سنوجد مكتبة نبيع ونشتري فيها الكتب الأدبية المستعملة».

تبلغ مساحة البيت 1200 متر مربع ويضم ما يقارب 23 غرفة، ليس ثمة ما يدل عليه كمطعم، فلا إعلان ولا سهم ولا أية علامة أخرى ترشدك إليه، وعلى الرغم من ذلك، فمن الصعوبة أحيانا كثيرة أن يحظى الزبون بطاولة شاغرة يجلس عليها، لكثرة ما يؤمّه الزبائن من دمشق وخارجها، والإقبال المتزايد للسياح الأجانب عليه. وكما يزوره المشاهير والعامة، فإنّ بيت جبري أصبح مقصد صنّاع الدراما السورية والعربية أيضا وكاميرات التلفزة العالمية، أنّ العديد من المقابلات الصحفية والتلفزيونية تجرى في بيت جبري، إضافة إلى أنّ مسلسل الفصول الأربعة الشهير تمّ تصوير العديد من مشاهده فيه، وكذلك بعض الأعمال الدرامية والبرامج .

ويمتاز بيت جبري بنموذجيته وتناظره الهندسي الغني، فتتكون القاعة الرئيسية فيه من ثلاث "طرزات" مرتفعة عن أرض الدار نصف متر، وهي تلتقي بفسحة تتوسطها "بحرة" تسمى "الفستقية" وجدران القاعة مزخرفة ب "الأبلق" أو كما يسمى "الأملق" وهو حجر محفور وفق خطوط وأشكال هندسية مرسومة عليه، ومطلية بطينة ملونة معتقة.وعلى الرغم من عمليات الترميم والصيانة الكثيرة، لا يبدو ظاهرا، تأثير هذه العمليات على البيت من ناحية "تراثيته" وعراقته وقدمه اللذين يمتدان إلى نحو ثلاثمائة عام . لكن يمكن القول انّ الزائر لهذا البيت يشعر حقيقة بأنه في مكان يرجع عمره إلى تاريخ بنائه المدوّن على بابه (عام 1737م )، من دون أن يكتشف كثيرا أنّه، أي البيت، تعرّض لهذا الحجم الكبير من الصيانة والترميم.